افتراق الحال بين المتغلبِ القادرِ على الباغي حال انتصاره، وبين المغلوبِ المستضعفِ من الباغي، فيحسن في الأول العفو عن المعاقبة بالمثل كما عفا النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل مكة حين قدر عليهم، وكما قال إبراهيم النخعي: (كانوا يكرهون أن يُستذلوا فإذا قدروا عفوا) .
ولا يحسن العفو في الثاني، لأنه موضع يتطلب فيه الردع والتشريد، لينكف البأس وتنقطع العادية، والعفو عن ضعفٍ عجزٌ، وهو إغراء للظالم على زيادة ظلمه.
وانظر كيف عاتب الله تعالى رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم ومن معه يوم بدر لما رغبوا عن الإثخان وقتل الأسرى إلى أخذ الفداء، فقال سبحانه: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) } [الأنفال] .
وقد أخرج الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما بسند حسن أنه قال:
( {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} ، وذلك يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم، أنزل الله تبارك وتعالى بعد هذا في الأسارى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [1] .
قال أبو السعود رحمه الله:
( {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ} .. أي ما صح وما استقام لنبي من الأنبياء عليهم السلام ... {حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} أي يُكثر القتل ويبالغ فيه حتى يذل الكفرة ويقِل حزبُه، ويعِزّ الإسلامُ ويستوليَ أهلُه [2] .
وقال ابن عاشور رحمه الله:
(والكلام عتاب للذين أشاروا باختيار الفداء والميل إليه، وغض النظر عن الأخذ بالحزم في قطع دابر صناديد المشركين، فإن في هلاكهم خضدًا لشوكة قومهم، فهذا
(1) جامع البيان (14/ 59) .
(2) إرشاد العقل السليم (4/ 35) .