فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 100

ترجيح للمقتضى السياسي العرضي، على المقتضى الذي بُني عليه الإسلام، وهو التيسير والرفق في شؤون المسلمين بعضهم مع بعض، كما قال تعالى: {أشداء على الكفار رحماء بينهم} [1] .

وقال السعدي رحمه الله:

(هذه معاتبة من الله لرسوله وللمؤمنين يوم بدر إذ أسروا المشركين وأبقوهم لأجل الفداء، وكان رأي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في هذه الحال، قتلهم واستئصالهم.

فقال تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَىَ حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ} أي: ما ينبغي ولا يليق به إذا قاتل الكفار الذين يريدون أن يطفئوا نور الله ويسعوا لإخماد دينه، وأن لا يبقى على وجه الأرض من يعبد الله، أن يتسرع إلى أسرهم وإبقائهم لأجل الفداء الذي يحصل منهم، وهو عرض قليل بالنسبة إلى المصلحة المقتضية لإبادتهم وإبطال شرهم، فما دام لهم شر وصولة، فالأوفق أن لا يؤسروا، فإذا أُثخنوا وبطل شرهم واضمحل أمرهم، فحينئذ لا بأس بأخذ الأسرى منهم وإبقائهم [2] .

وفي هذا المعنى الذي نحن بصدده يقول سيد قطب رحمه الله:

(والعفو لا يكون إلا مع المقدرة على جزاء السيئة بالسيئة. فهنا يكون للعفو وزنه ووقعه في إصلاح المعتدي والمسامح سواء، فالمعتدي حين يشعر بأن العفو جاء سماحة ولم يجئ ضعفًا يخجل ويستحيي، ويحس بأن خصمه الذي عفا هو الأعلى، والقوي الذي يعفو تصفو نفسه وتعلو، فالعفو عندئذ خير لهذا وهذا.

ولا كذلك عند الضعف والعجز، وما يجوز أن يذكر العفو عند العجز، فليس له ثمة وجود، وهو شر يُطمع المعتدي ويُذل المعتدى عليه، وينشر في الأرض الفساد [3] .

فبان من هذا أفضلية الإثخان في أعداء الله والتشريد بهم حيث يكون أهل الإسلام في موضع استضعاف واستذلال أعدائهم، ومن ذلك معاقبتهم بالمثل والانتصار منهم إذا

(1) التحرير والتنوير (10/ 75) .

(2) تيسير الكريم الرحمن (ص 326) .

(3) في ظلال القرآن (5/ 3167) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت