فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 100

اعتدوا، إذ سبيلُ إعزاز المسلمين، وحسم مادة استكبار الكفار من نفوسهم، وقطع عتوهم وطغيانهم وعدوانهم، إنما يتأتى بالتقتيل والتشريد، ورد صاع العدوان بمثلها من غير حيف، فذا سبيل إخزائهم وإذلالهم ليس غير.

الموضع الثاني:

الفرق بين أن يكون في انتصار المنتصر ومعاقبته للباغي بالمثل إعزاز لدين الله، ورفعة لكلمته، وبين أن لا يكون في ذلك إلا انتصار المنتصر لنفسه، وشفاؤه لصدره، فالعقاب في الأول أفضل بخلاف الثاني.

قال الإمام المجاهد المثخن في أعداء الله، أبو أحمد الكرجي القصاب رحمه الله [1] :

(الانتصار بعد الظلم ممدوح إذا أراد به المنتصر إعزاز دين الله، لقوله: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} ، فإذا انتصر المظلوم لنفسه فانتصاره مباح، وعفوه أفضل، لقوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} .. إلى قوله: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [2] .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

(والناس في هذا المقام أربعة أقسام: من يغضب لربه لا لنفسه، وعكسه، ومن يغضب لهما، ومن لا يغضب لهما .... -إلى أن قال-: فأعلاهم حال النبي صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه، أن يصبروا على أذى الناس لهم باليد واللسان، ويجاهدون في سبيل الله فيعاقبون ويغضبون وينتقمون لله لا لنفوسهم، يعاقبون لأن الله يأمر بعقوبة ذلك الشخص ويجب الانتقام منه كما في جهاد الكفار وإقامة الحدود، وأدناهم عكس هؤلاء يغضبون وينتقمون

(1) قال الإمام الذهبي في السير (16/ 213) :(الإمام، العالم، الحافظ، أبو أحمد محمد بن علي بن محمد الكرجي الغازي المجاهد، وعرف بالقصاب لكثرة ما قتل في مغازيه .. -إلى أن قال-: وعاش إلى حدود الستين وثلاث مائة.

وهو القائل: كل صفة وصف الله بها نفسه، أو وصفه بها رسوله، فليست صفة مجاز، ولو كانت صفة مجاز لتحتم تأويلها، ولقيل: معنى البصر كذا، ومعنى السمع كذا، ولفسرت بغير السابق إلى الأفهام، فلما كان مذهب السلف إقرارها بلا تأويل، علم أنها غير محمولة على المجاز، وإنما هي حق بين)فرحمه الله رحمة واسعة، علمٌ وسنةٌ، وجهادٌ وإثخان، هكذا كان أئمتنا، فأين ورّاثهم اليوم!!

(2) نكت القرآن (4/ 119) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت