فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 100

(وإن مثّل الكفار بالمسلمين فالمثلة حق لهم، فلهم فعلها للاستيفاء وأخذ الثأر، ولهم تركها والصبر أفضل، وهذا حيث لا يكون في التمثيل بهم زيادة في الجهاد، ولا نكال لهم عن نظيرها، فأما إن كان في التمثيل السائغ لهم دعاء إلى الإيمان، أو زجر لهم عن العدوان، فإنه هنا من إقامة الحدود والجهاد المشروع، ولم تكن القصة في أُحُد كذلك؛ فلهذا كان الصبر أفضل [1] .

فانظر كيف فرق بين الحالتين: حالة المعاقبة بالمثل لمجرد التشفي ودرك الثأر، فالصبر عنها أفضل.

وحالة المعاقبة بالمثل حيث تكون كافةً لغشم أهل الكفران، رادعة عن العَوْد إلى العدوان، فهي حينئذ من باب حياطة الحرمات، وحفظ الضرورات، وهذا هو الجهاد الواجب.

فالأولى حق للمسلمين، والثانية وإن كانت في الأصل من حقوقهم، لكن لَمّا كان في الاستيفاء والانتصار صلاح الدين، وحماية المسلمين، وكان في تركه إيغال المعتدي في الفساد، وظلم العباد، صار هذا من جنس حقوق الله وحدوده التي لا يَتْرُكُ الانتصار فيها إلا عاجز أو جاهل.

الموضع الثاني:

الفرق بين أن يكون في الجناية على المعتدى عليه انتهاك حرمة من حرمات الله، ووقوع في موجبات حدوده، وبين أن لا تكون الجناية موجبة ذلك، فيجب في الأول الانتصار لحرمات الله، لأن حق الله إذا اجتمع مع حق العبد غُلِّب، ويحسن العفو في الثاني لأنه تَمَحَّضَ حقًا للعبد، وعفو العباد عن حقوقهم إحسان وفضل.

(1) المستدرك على مجموع الفتاوى (3/ 224) ، الفتاوى الكبرى (5/ 540) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت