وتظهر أفضلية الانتصار دون العفو والصفح من هذه الجهة، ببيان افتراق أحوال المعتدين، وذلك في خمسة مواضع:
الموضع الأول:
الفرق بين المصر على العدوان والموغلِ فيه المكثرِ منه، وبين المقلع عنه النادمِ عليه ومن تقع منه الفلتة والزلة، فلا يحسن العفو عن الأول بخلاف الثاني، ما لم يكن عدوان الثاني قد أوجب حدًا من حدود الله.
قال الجصاص رحمه الله:
(وقوله: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} يدل ظاهره على أن الانتصار في هذا الموضع أفضل، ألا ترى أنه قرنه إلى ذكر الاستجابة لله تعالى وإقامة الصلاة، وهو محمول على ما ذكره إبراهيم النخعي أنهم كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فيجترئ الفساق عليهم، فهذا فيمن تعدى وبغى وأصر على ذلك، والموضع المأمور فيه بالعفو إذا كان الجاني نادمًا مقلعًا [1] .
الموضع الثاني:
الفرق بين المعلن المجاهر بالعدوان، وبين المستسر المستخفي به.
قال ابن العربي رحمه الله:
(أن يكون الباغي معلنًا بالفجور، وقحًا في الجمهور، مؤذيًا للصغير والكبير، فيكون الانتقام منه أفضل، وفي مثله قال إبراهيم النخعي: يكره للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم، فيجترئ عليهم الفساق [2] .
الموضع الثالث:
(1) أحكام القرآن له (3/ 510 - 511) .
(2) أحكام القرآن له (4/ 93) .