فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 100

قلت -ابن كثير-: ثم إن أبا عزة هذا نقض ما كان عاهد الرسول عليه، ولعب المشركون بعقله فرجع إليهم، فلما كان يوم أحد أسر أيضًا، فسأل من النبي صلى الله عليه وسلم أن يمن عليه أيضًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا أدعك تمسح عارضيك وتقول: خدعت محمدا مرتين ) )ثم أمر به، فضربت عنقه [1] .

فإذا تأملنا هذه الجهات، ونظرنا إلى مسألتنا وجهاتها الثلاث، خرجنا بخمسة أوجه في الرد على من زعم أن العفو فيها خير من العقاب، وهي كالتالي:

الوجه الأول: أن المسلمين مستضعفون مستذلون من جهة عدوهم، وعدوهم متغطرس متكبر، صَلِفٌ متجبر، فواجب علينا إما ثقفناه أن نُشرِّد به، ونُعمل فيه القتل، ونبالغ في الإثخان، ومن ذلك أن نرد عدوانه بمثله، وإذا قتل أطفالنا ونساءنا، قتلنا أطفاله ونساءه، فهذا موضع يُحمد فيه الانتصار، ويُعَجَّزُ فيه على العفو.

الوجه الثاني: وهو مبني على الأول، أننا إنما نقتل نساء الكفار وأطفالهم لإعزاز دين الله، وإعلاء كلمته، وقمع أعدائه المتجبرين المتغطرسين وإذلالهم، وكل هذا إنما يتأتى بأخذ العدو بالعقاب على عدوانه، لا بالعفو عن صلفه وطغيانه.

الوجه الثالث: أن في قتل نساء وأطفال الكفار معاقبةً بالمثل صيانةٌ وحفظٌ لنساء وأطفال المسلمين من كَرِّ العدو عليهم بالعدوان، وصيانة حرمات المسلمين وحفظها هو الجهاد المتعين، فالمعاقبة بالمثل في مسألتنا من جنس إقامة الحدود والجهاد المشروع، ومتى كان في إراقة دماء نساء وأطفال الكفار حفظٌ لدماء نساء وأطفال المسلمين، وكان في الكف عن دمائهم إراقة لدمائنا، فلا مبالاة بدمائهم، فلترق باسم الله ولا كرامة، ولا يُقَدِّمُ العفو على العقاب والحالة هذه إلا جاهل بدين الله، أو عاجز عن الانتصار له.

(1) البداية والنهاية (5/ 207 - 208) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت