(وهذا صحيح، وغاية الإحسان في القتلة هو أن يقتله بمثل ما قتل هو، وهذا هو عين العدل والإنصاف {والحرمات قصاص} ، وأما من ضرب بالسيف عنق من قتل آخر خنقًا، أو تغريقًا، أو شدخًا، فما أحسن القتلة، بل إنه أساءها أشد الإساءة، إذ خالف ما أمر الله عز وجل به، وتعدى حدوده، وعاقب بغير ما عوقب به وليه، وإلا فكله قتل، وما الإيقاف لضرب العنق بالسيف بأهون من الغم، والخنق، وقد لا يموت من عدة ضربات واحدة بعد أخرى، هذا أمر قد شاهدناه ونسأل الله العافية، فعاد هذا الخبر حجة عليهم [1] .
وفي الجواب عن الحجة الخامسة يقول ابن حزم أيضًا:
(هذا من طريف ما موهوا به، ومتى خالفناهم في أن العبث بالبهائم، وبغير البهائم لا يحل، إنما بهم أن يموهوا أنهم يحتجون وهم لا يأتون إلا بما نهوا عنه وإما بالباطل، نعم صبر البهائم لا يحل، إلا حيث أمر الله تعالى به من الذبح والنحر، والرمي فيما شرد بالنبل والرماح، وإرسال الكلاب، وسباع الطير عليها، فهذا كله حلال حسن بإجماع منا ومنهم.
وكذلك لا يحل العبث بابن آدم، فإذا عبث هو ظالمًا اقتص منه بمثل فعله وكان حقا وعدلًا، والعجب كله أن ضرب العنق صبر بلا شك، والصلب أشنع الصبر، وهم يرون كل ذلك، فلو راجعوا الحق لكان أولى بهم [2] .
وقال أيضًا: (ونحن نقول: لعن الله من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضًا إلا حيث أمر الله تعالى به من القصاص، فمن استحق لعنة الله لفعله ذلك، والاعتداء عليه بمثل ما اعتدى هو به، وهم يوافقوننا في رمي العدو بالنبل، والمجانيق، واتخاذهم غرضًا، وهذا خارج عن ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، هكذا القول فيما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يقتل شيء من الدواب صبرًا، وقد علمنا أن نحر الإبل، وذبح
(1) المحلى (10/ 262) .
(2) المحلى (10/ 262 - 263) .