الوجهُ الثاني مِن نكارتهِ [1] : ركاكةُ معناهُ، وعدمُ انطباقهِ على محاسنِ الشريعةِ؛ لأنَّ الشيطانَ لا يغضبُ مِن مطلقِ حياةِ ابنِ آدمَ، بل من حياتِهِ مسلمًا مطيعًا، بل ولا يغضبُ مِن حياتِهِ كذلكَ لطمعهِ في إغوائهِ، بل ولا نظرَ لَهُ في غضبهِ إلى الحياةِ أصلًا، إنما نظرُهُ إلى بقائهِ على الطاعةِ، ولو ماتَ عليها لأغضبهُ ذلِكَ، ولو كانَ الأمرُ إليهِ في حياتهِ لسرَّهُ أنْ يمدَ في عمرهِ رجاء استدراجهِ أيضًا [2] ، وأيضًا [3] فإنهُ علّلَ غضبَهُ / 150 أ / بجمعِ الجديدِ والعتيقِ، ومجردُ دخولِ زمانِ هَذا على الآخرِ كافٍ مِن غير احتياجٍ إلى أكلهِ لهُ، أو رؤيتهِ، واللهُ أعلمُ.
وتمثيلُ ابنِ الصلاحِ بحديثِ: (( لا يرثُ المسلمُ الكافرَ ) ) [4] ، والشيخ بحديثِ: (( وضع الخاتمَ عند دخولِ الخلاءِ ) ) [5] ، إنما يصحُّ على طريقتِهما في جعلِ المنكرِ بمعنى الشاذِّ؛ فإنَّ المثالينِ لَم تقع فيهما المخالفةُ إلا بينَ مالكٍ وهمامٍ، ومالكٌ في غايةِ الضبطِ والإتقانِ، وهمامٌ ثقةٌ احتجَّ بهِ الجماعةُ؛ فهما مِن قبيلِ الشاذِّ لا المنكرِ على الرَأي الأسدِّ، ومن الغرائبِ أنَّ مالكًا -رحمهُ اللهُ - رَوَى حديثًا مِن طريقِ معاويةَ بنِ الحكمِ السلمي - رضي الله عنه -، عنِ النبي - صلى الله عليه وسلم - فخالفَ الحفّاظَ في تسميتهِ، فقالَ عُمرُ بنُ الحكمِ - بضمِ العينِ - كَما وقعَ لَهُ في عمرو بنِ عثمانَ سواءً، ووقعَ لشعبةَ مِن هَذا القبيلِ أنهُ رَوَى عَن شخصٍ آخرَ يُسمَّى عَمرُو بنُ عثمانَ،
(1) في (ف) : (( نكاره ) ).
(2) لم ترد في (ف) .
(3) جاء في حاشية (أ) : (( بلغ صاحبه الشيخ شهاب الدين الشافعي الحمصي قراءة في البحث وسمع الجماعة كتبه مؤلفه إبراهيم بن عمر البقاعي الشافعي ) ).
(4) الحديث في موطأ مالك (1475) رواية الليثي، وتفصيل تخريجه في تحقيقنا لمعرفة أنواع علم الحديث: 170 - 171.
(5) تفصيل تخريجه وطرقه في كتابي: (( أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء ) ): 89 وما بعدها.