وكلُّ مسافر سيؤوب يومًا ... إذ رُزِق السلامة والايابا
إلا أن ما في بقية القصيدة من جلال المعاني، وعلو الألفاظ، ورقة الديباجة قد ستر ما يشعر به الأديب المتذوق في هذا البيت من عادية المعنى، وخفته وإبتذاله، وقلة خطره، واشتراك جميع الأذهان فيه
ومن هذا النوع أيضًا تلك المتون التي ينظمها العلماء في مختلف الفنون ليسهل حفظها واستذكار العلم بها على الطالب، كالشاطبية في القراءات، وألفية النحو، والبهجة الوردية في الفقه، وعقود الجمان في البلاغة، وما إلى ذلك
ومنه أيضًا ما كان ينظم في عهد الثورة المصرية من القصائد المسجلة لحوادثها لإثارة العامة. وتنشرها الصحف إذ ذاك في كل يوم لأشخاص لا يجيدون قراءة الشعر فضلًا عن قوله، فلا يلبث أحدهم أن يسمع الحادثة عن بعض الزعماء، أو يرى طوائف الجنود المدججة تجوب الأحياء، أو يسمع الخبر، حتى يجلس جلسته يسيرة يعصر فيها ذهنه، ويكد قريحته، وينشئ قصيدة طويلة الذيول، كثيرة الفضول، لا يذوق الأديب فيها للشعر طعمًا، ولا يحس له فيها عينًا ولا أثرًا؛ وعفا الله عن الغرابلي باشا، فكم أمطرنا سحابه الهاطل من هذه القصائد ما يصك الأذواق والأسماع، وإن أستهوى قلوب العامة والرعاع، فهذا الشعر أشبه بالخطب الشعبية منه بالقصائد الشعرية
فإذا تصرفت ملكة الشاعر في تلك المعاني الأصيلة، وتناولتها بأناملها الرقيقة الصناع، فأضافت إليها شيئًا من جمال الشعر وروعته، وسحر الفن وفتنته، ومزجتها بخيال مستعذب، أو تعليلٍ مستحسن، أو تشبيهٍ رقيق، أو مجازٍ غريب، أو تصويرٍ فاتن، أو وضعٍ حَسَن أو ترتيبٍ جميل، أو حرارة تحي العاطفة وتستثير الشجن، أو روحٍ فيها تحرك الحاسة وتجتذب الشعور، أو غير ذلك، تحولت تلك المعاني الأصيلة إلى معانٍ شعريةٍ تحسب أن صاحبها قد إخترعها، ولم تكن معروفةً لأحد قبله، ووقع الشعر من القلوب موقعه، وأصاب من كل نفسٍ موضعه؛ وكان كما قلت في صفة شعر المرحوم إسماعيل صبري باشا في القصيدة التي رثيته بها:
متلمِّسٌ من كلِّ نفس سِرّها ... ومُلامِسٌ من كلِّ قلب موضعا
طبَّ النفوس يعيد في ميت المنى ... روحًا ويبعث في القنوط المطمعا