وبينما هو غارق فيما نعده اليوم أبهة المنصب، ينقل لسبب أو لغير سبب، لغضب أو لتقدير موهبة منتدبًا لإصلاح طابية وهو من خريجي المعاهد الحربية، فينتقل قرير العين وكأن العالم صور فانحصر في تلك الطابية لا يرى أمامه إلا أن يُعِدَّها كما يجب أن تعد تقديرًا لأمانة العلم وقيامًا بالواجب.
ولي علي مبارك باشا في وقت ما وزارتين، وجيئ به وقتًا آخر يشرف على مد خط حديدي ليس أكثر من كبير مهندسين، جاءت خطته وأوضاعه وتنفيذ مشروعه آيات في حسن الوضع والتنفيذ؛ ولم يكن علي مبارك باشا ذو الوزارتين غير علي مبارك صاحب عيشة الخيام في براري البلاد يوطد أركان الدفاع عنها، ولا غير ذلك الرجل الهادئ رجل الواجب، يضع من قطع الحديد وصلًا لبلاد الريف وقراءة وتقريبًا للشقة وتيسيرًا لأمور الخلق، فهو إنما يعيش لبلاده، وإنما يخدم بلاده، وإنما يخدمها حيث يوضع، ويستثمر كفاءته في أي مجال. طريقته واحدة ونظرته واحدة، وهدفه واحد: الواجب.
وإنك لترى اليوم من شبابنا من ينقل من وظيفة إلى أخرى دون أن يمس راتبه ودون أن تمس درجته، فهو لا يكتفي بالشكوى والضجيج والإلحاح حتى يسمم عمله الجديد آثار غضبه ويأسه ولا يعيش إلا بخيال واحد وأمل واحد: أن يتغير العهد ويعود له ما كان فيه، بينما يقاسي المحكومون ممن تتصل أحوالهم بعمله ألوانًا من البطء في شؤونهم وكثيرًا من عنت لا ذنب لهم فيه.
هذه الظاهرة وحدها من سيرة (علي مبارك باشا) درس قيم في الأخلاق وتراث زاخر، وموعظة لهذا الجيل بالغة.
أما عمله في وزارة المعارف ففي كل ركن من أركان التهذيب والتثقيف له أثر عميق، كان لا يني عن زيارة المدارس زيارة لا يسبقها إعلان ولا شئ من جلبة الرسميات، ولو خلت من هذا وحده لكانت بذلك كافية في معنى الرقابة وما يتصل بالحرص على الواجب من الوقوف على درجة التقدم وعيوب التنظيم.
لكنها لم تقف عند ذلك الحد، فكان عليه رحمة الله يسأل أكثر من طالب في كل فرقة وفي أي مادة يتفق تدريسها مع ساعة الزيارة، وطالما كان له جولات في مختلف العلوم مع من يزورونه من الطلبة في الديوان سواء لرفع شكاة أو تبيان مصلحة.