الإمبراطورية في ألمانيا والنمسا؛ ولكن الديموقراطية انساقت في فورة الظفر إلى ألوان خطرة من التطرف والفوضى؛ وكانت إيطاليا لهذا التطرف، ففي غمر الإضطراب العام وثبت الفاشستية تؤيدها العسكرية، وتؤيدها الصناعات الكبرى والمالية العليا، وقبضت على زمام الحكم بقوة؛ وظن خصومها في المبدأ أنها فورة الساعة وأن ريحها لن تلبث أن تركد، ولكن فورة الفاشستية كانت أشد وأقوى مما تتصوروا، وكانت المعركة قصيرة المدى، فلم يمض سوى قليل حتى سحقت الفاشستية خصومها، وسحقت الإشتراكية والديموقراطية، وكل النظم البرلمانية الحقيقية، وأخضعت الصحافة لصولها، ولم تبق متنفسًا للشعب الإيطالي سوى طريقها، ولم تسمح له بأن يفكر إلا برأيها أو أن يرى إلا بعينها، وامتزجت الدولة بالحزب، فغدت الفاشستية هي الحكومة وهي الدولة، وهي مصدر السلطات وهي كل شيء في حياة إيطاليا العامة، وفي مرافقها ومصايرها.
كان ظفر الفاشستية سريعًا، وكان مطلقًا، ولكنها لم تدخر لتحقيق هذا الظفر أية وسيلة مثيرة؛ ولسنا نقف طويلًا بهذه الوسائل الهمجية التي أصبحت روح النظم الطاغية في عصرنا، سواء في روسيا البلشفية أو تركيا الكمالية أو إيطاليا الفاشستية أو ألمانيا الهتلرية، والتي تقوم على القتل والسجن والنفي والمصادرة وغيرها من أساليب العنف المنظم؛ ولكنا نقول أيضًا في إنصاف هذه الفاشستية الهمجية أنها لم تكن شرًا مطلقًا، بل كانت لها آثار داخلية حسنة، وقد أسفرت جهودها في سبيل الإنشاء والتنظيم عن نتائج مادية ظاهرة الأثر في تكوين إيطاليا الحديثة وفي تطورها وتقدمها؛ فقد سحقت عوامل التفرق القديم الذي خسرت إيطاليا من جرائه مغانم الحرب في معاهدة الصلح، وسحقت عوامل الفوضى التي كادت تشل الحياة الإقتصادية في إيطاليا، وبثت في الشعب الإيطالي روحًا جديدًا وعزائم جديدة في ميادين النشاط والتفكير والعمل، فخطت الزراعة والصناعة والتجارة إلى الأمام خطوات واسعة، ونظمت موارد الثروة القومية تنظيمًا مدهشًا؛ وبذلت الفاشستية جهودًا محمودة لمعالجة الركود الإقتصادي والعطلة، وحماية الإنتاج القومي، وقامت بمئات المشاريع العمرانية النافعة، ولم تترك وجهًا من وجوه الحياة العامة إلا عملت لإصلاحه وتقويمه؛ ولم تقف عند العمل في ميادين النشاط المادي، بل عملت أيضًا في النواحي المعنوية، فطهرت الحياة الإجتماعية من كثير من أدرانها القديمة، وبثت في الشعب