ثم أمسكت، فقد كان الهواء قويًا، ودفْعُه في الصدر شديدًا، فلولا أن النظارة على عيني لما وسعني الصبر عليه؛ وكان الطريق مستقيمًا، والتراب راقدًا لكثرة ما نزل عليه من الطل؛ وبدت لعيني مركبة فسألت نفسي: ترى على أي ناحية من الطريق هي؟ ولكني جزتها ومرقت كالسهم في نفس اللحظة التي رأيتها فيها، فلا جواب لسؤالي؛ وأحسست أن سيارة مقبلة علينا، ثم تبينت أنها ماضية في اتجاهنا فما عتمت أن صارت وراءنا، وأحسب أن سائقها قد أوسعني شتمًا ولعنًا، فما نبهته ولا حذرته؛ وظهرت ضيعة، ورأيت بيوتها الواطئة المبينة من الطين، وأخذت عيني الأشجار المغروسة أمامها - أو خلفها، لا أدري - فقد غابت عن عيني بأسرع مما بدت لها؛ وكنت لا أجرؤ أن أصوب لحظي إلى عداد السرعة، ولكني كنت أحس كل كيلو نقطعه ومضيفه إلى ما فرغنا منه؛ وزاد ضغط قدمي، فتجمعت أختي ونظرت ثم قالت:
ثم رأتني كالمسمر في مكاني، وكأنما أدركها العطف علي، أو قواها إصراري على الفوز، فعادت تنظر وتبلغني ما ترى.
(إلى اليمين شيء. . . عربة. . . خال. . . عربة. . . تتحرك. . . دراجة إلى يسارك. . . سيارة مقبلة. . . خال. . . لا. . . رجل يمشي. . . خال. . .)
فسألتها: (كم كيلو قطعنا؟ وكم الساعة الآن؟)
وكانت الساعة الرابعة صباحًا، ولا يزال أمامنا مائة وعشرة كيلومترات إلى دمنهور، ونحو ثلاثين أخرى إلى القرية، وثلاث ساعات نقطعها فيها.
فجعلت أدافع اليأس؛ ذلك أن الطريق إلى (بنها) واسع، ولكنه بعد ذلك يضيق، إلى قريب من طنطا، وسيزدحم بالجمال والأبقار والأغنام والدواب والسيارات، فسألت القوم: (هل ورد ذكر لدمنهور في الرهان؟) .
فقالت أختي: (أظن. . . لا لا. . . لم يرد لها ذكر) .
وقال زوجها: (أو ورد. . . . . . سيان. . . . . . . . . . . .) .
فقاطعته ابنة عمه، وكانت معه على المقعد الخلفي وقالت:
لا، على التحقيق. . . كل ما اشترط هو الوصول إلى القرية الساعة السابعة صباحًا،