ذلك علينا أيقنا أنه أخذ طريق دمنهور، فقد كان في وسعه أن يدركنا بسهولة.
وسكة دسوق ضيقة كما أسلفت، وكانت إلى هذا كثيرة الزحاليق، وكانت السيارة تتلوى على المواضع البليلة، كالحية، ولكن سائقتنا كانت حاذقة، فسكن روعنا جميعًا، ووسعنا أن نضحك ونمزح.
وقلت لها - همسًا - (إني أحس غيرة. . . هنا) وأشرت لها إلى موضع القلب فابتسمت وقالت: (لماذا؟
قلت: (لأن على جبينك خصلة صغيرة جميلة يداعبها النسيم - أعني يقبلها - علنًا وعلى مرأى منا جميعًا - وهذا. . . هذا. . . مخجل. . . فعسى ألا يُعديني بالجرأة) .
فتكلفت الجد وقالت: (إذا فعلت، فسأمضي إلى هذه الترعة. . . مباشرة) .
فهمست: (هش. . . لا تمزحي. . . إنها مسائل لا تحتمل المزح. . . ومن يدري؟؟ فقد تصيبك العدوى. . . ثم إنك لن تحسني التعبيس ما دام لك هذا المحيا الواضح الذي يضيئه الجمال، ويضحك فيه أيضًا) .
فلوت مُوَجِّه السيارة بلا كلام فصاح ابن عمها:
(إلى أين بنا يا هذه؟) .
قالت بابتسام: (إلى الترعة. . . إذا لم يسكت) .
قال: (إذا كنت تريدين أن تستحمي فإن في البيت الذي نرجو أن نبلغه سالمين حمامًا بديعًا، ولكن بغير ماء! على كل حال، أظن أن جارك مستعد أن يملأ لك الجرار، ويصبها عليك أيضًا) .
قالت: (إذا وعد بأن يكون حسن السلوك. . .) .
واستأنفنا السير بسرعة، ويطول بنا الحديث إذا أردت أن أسرد ما عانيناه من الغنم والبقر والجمال والسيارات؛ ولكن حادثًا واحدًا وقع لنا لا أرى بدًا من ذكره، ذلك أنا وقعنا في وحل عظيم، ولم يكن لنا مفر، ولا كان لنا مهرب، فقد كنا مقبلين بسرعة فإذا أمامنا - وإلى مسافة طويلة - ماء وطين ووحل شديد فارتطمنا فيه قبل أن ندرك ما حدث، وصارت العجلات تنزلق دائرة ولا تتقدم. فأوقفت المحرك وقالت:
(هل مع أحد منكم سيجارة؟)