من الجماد خروجًا فجائيًا مباغتًا بغير مقدمة ولا تمهيد؟ قلب النظر في جوانب الكون تر آلافًا من الأشياء التي جاءت إلى الوجود من غير مقدمة منطقية؛ خذ طعم الملح مثلًا وسائل نفسك من أين جاء؟ هو لم يكن في عناصر الملح الأولى التي من مزيجها نشأ الملح، وإذن فقد جاء هذا الطعم الذي نعرفه للملح طارئًا مباغتًا. فلماذا لا تكون الحياة ولا يكون العقل قد نشأ كلاهما على هذا النحو، فيكون لهما من الخصائص ما ليس لعنصرهما الأول: أعني ما ليس في مادة الطبيعة الجامدة. . . تلك حجة جديدة يؤيد بها المذهب الطبيعي رأيهم.
ولكن دعك بعد هذا كله من تطور العقل سواء أكان تدريجيًا أم مفاجئًا، وحسبنا أن نأخذه كما بين أيدينا. فهل يستطيع المذهب الطبيعي أن يفسر كيف يعمل العقل؟ كيف يمكن لقطعة من اللحم أو الشحم أن تخلق فكرًا وتبدع خيالًا كما نرى؟ إنه إن استطاع أن يعلل ذلك هان عليه بعد ذلك كل شئ، ولهذا تراه اليوم يجاهد جهاد الأبطال في ميدان علم النفس لعله واجد عنده نصيرًا وظهيرًا؛ وهاهو ذا علم النفس منذ منتصف القرن الماضي ينحو في بحثه نحوًا فسيولوجيًا، أي أنه يعتبر العقل وظيفة للمخ لا أكثر ولا أقل، فهو لذلك خاضع كبقية أعضاء الجسم لقوانين العلة والمعلول. وكثير بين علماء اليوم من يزعم أن كل ظواهر الإنسان الروحية والعقلية لا تعدو أن تكون نتائج كيميائية لبعض إفرازات الجسم. وليس بعيدًا عن هؤلاء أن يحين الحين الذي يسيطر فيه الإنسان على قواه العقلية، بأن يبتكر طعامًا معينًا إفرازًا خاصًا يرفع الفدم الوضيعْ إلى مرتبة الفلاسفة والحكماء!!
المذهب الطبيعي والدين:
لما كان أنصار هذا المذهب يتشبثون بالطبيعة وحدها، فهم ينكرون أشد إنكار أن يكون وراءها أية حقيقة أخرى، وبعبارة موجزة واضحة: هم ينكرون الدين وكل ما يتصل بالعقيدة الدينية من حقائق لا تمت إلى ظواهر الطبيعة بسبب من الأسباب. فإن ساءلتهم قائلًا: إن كانت العقائد ضلالًا في ضلال فما الذي حدا بالإنسان بادئ ذي بدء أن ينظر إلى العالم بمنظار روحي، ومن أين جاءه هذا الاتجاه في التفكير؟ أجابوك إنه خطأ بشري ككل ما يقع فيه الإنسان من أخطاء، ولكنه في رأيهم خطأ واجب مفيد لم يكن للإنسانية عنه بد في حياتها الأولى.
إنما ينشد الإنسان الحقَّ في الرأي لا لشيء إلا أن تكون الحقيقة عونًا له في طريق الحياة؛