طول الفقر، وذل الأسر، ومعاناة محن الدهر، فأخفق سعيي، وخابت طلبتي. فقال أنت اخترته قال: وما علىَّ أعز الله الوزير في ذلك، وقد اختار موسى قومه سبعين رجلًا، فما كان فيهم رجل رشيد، واختار النبي (ص) عبد الله بن سعد بن أبي سرح كاتبًا فرجع إلى المشركين مرتدًا، واختار علي بن أبي طالب (ض) حكمًا له فحكم عليه؟! وإنما قال أبو العيناء ذل الأسر لأن إبراهيم المذكور كان قد أسره صاحب الزنج بالبصرة وسجنه فنقب السجن وهرب.
ولما نكب الخليفة المعتمد على الله عبيد الله بن سليمان وولي الوزارة صاعد بن مخلد حصل خصام بين الوزير وبين أبي الصقر إسماعيل بن بلبل الكاتب، فانضم أبو العيناء إلى حزب أبي الصقر ولكن ذلك الموقف الذي وقفه من صاعد لم يمنعه من أخذ عطاياه واستجدائه، وحضور مجالسه. وقد عادى أبو العيناء رجلًا يقال له أبو العباس بن ثوابة لمعاداته لأبي الصقر، حتى إن الرجلين اجتمعا في مجلس صاعد يومًا، وكان ابن ثوابة قد سبّ أبا الصقر قبل ذلك بيوم، فقال ابن ثوابة لأبي العيناء: أما تعرفني؟ فقال: بلى أعرفك: ضيق العطن، كثير الوسن، خارًا على الذقن، وقد بلغني تعديك على أبي الصقر، وإنما حلم عنك لأنه لم يجد لك عزًا فيذله، ولا علوا فيضعه، ولا مجدًا فيهدمه، فعاف لحمك أن يأكله وينهكه، ودمك أن يسفكه. فقال ابن ثوابة: ما تسابّ إنسانان إلا غلب آلامهما. فقال: لهذا غلبت أمس أبا الصقر!
ولقد كان من جزاء أبي العيناء من أبي الصقر على وقوفه منه هذا الموقف في سبيله أنه عندما تولى الوزارة خيّره فيما يحبه حتى يفعله به، فقال أريد أن تكتب إلى أحمد بن محمد الطائي تعرفه مكاني، وتلزمه قضاء حق مثلي من خدمة، فكتب إليه كتابًا بخطه فوصله إلى الطائي، فسبب له في مدة شهر واحد مقدار ألف دينار وعشرة أجمل، فانصرف بجميع ما يحبه. وله أحاديث كثيرة، ومجالس طريفة مع الوزير أبي الصقر. ويظهر أن هذا آخر وزير اتصل به أبو العيناء من وزراء الدولة العباسية فإنه لم يعش بعد ما نكب الموفق أبا الصقر إلا قليلًا، وتوفي سنة 282 أو سنة 283هـ.
مهاترته مع كاتبين في عصره
على أننا نرى من الواجب علينا أن نأتي بشيء مما جرى بين أبي العيناء وبين كاتبين