ومن أجل هذا خلف لنا المربد أجل شعر أموي من هذا النوع. فكثير من نقائض جرير والفرزدق والأخطل كانت أثرأ من آثار المربد قيلت فيه، وصدرت عما كان بينهم من منافرة وخصومة. يروي الأغاني أن جريرًا والفرزدق اجتمعا في المربد فتنافرا وتهاجيا وحضرهما العجاج والأخطل وكعب بن جعيل ألخ في خبر طويل.
كان كل من جرير والفرزدق يلبس لباسًا خاصًا ويخرج إلى المربد ويقول قصائده في الفخر والهجاء، والرواة يحملون إلى كليهما ما قاله الآخر فيرد عليه. قال أبو عبيدة (وقف جرير بالمربد وقد لبس درعًا وسلاحًا تامًا وركب فرسًا أعاره إياه أبو جهضم عباد بن الحصين.) فبلغ ذلك الفرزدق فلبس ثياب وشى وسوارًا وقام في مقبرة بني حصن ينشد بجرير والناس يسعون فيما بينهما بأشعارهما فلما بلغ الفرزدق لباس جرير السلاح والدرع قال:
عجبت لراعي الضأن في حطمية ... وفي الدرع عبد قد أصيبت مقاتله
ولما بلغ جريرًا أن الفرزدق في ثياب وشى قال:
لبست سلاحي والفرزدق لعبة ... عليه وشاحًا كرج وجلاجله
وما زالا كذلك يتهاجيان ويقولان القصائد الطويلة الكثيرة حتى ضج والي البصرة فهدم منازلهما بالمربد فقال جرير:
فما في كتاب الله تهديم دارنا ... بتهديم ماخور خبيث مداخله