يرجع بعد ولكن فكرة رهيبة خطرت لي فقلت: وسيليست، سيليست؟! فلم يجب، ولكن المنزل كان ينهار أمامنا كتلًا من الأحجار لامعة دامية، وكانت المرأة المسكينة قد صارت حجرًا أحمر، من اللحم البشري.
إننا لم نسمع صياحًا، ولكن عندما انتقلت النار للسقف المجاور لسقفنا فكرت في جوادي وركض الشيخ ليخلصه.
وتمكن بمشقة من فتح باب الإسطبل فشاهد جسما خفيفًا سريعًا مر بين رجليه ولطمه في أنفه، وكان هذا ماريوس هاربًا بكل قواه، فنهض الشيخ ليقبض على الشقي، ولكنه عرف انه لا يمكنه اللحاق به، وأصابه جنون شديد، ولما رأى انه لا يستطيع القبض عليه تناول بندقيتي الموضوعة على الأرض قريبًا منه فوضعها تحت إبطه قبل أن تبدو مني حركة واحدة، وأطلقها وهو لا يعرف أن فيها رصاصات عديدة، فأصيب الهارب في ظهره وسقط على الأرض مضرجًا بدمه، فأخذ ينكث الأرض بيديه ورجليه كأنه يريد أن يركض على أربع كالأرانب الجريحة حين ترى الصياد قادمًا إليها.
فتألمت، وأخذ الغلام ينازع ثم قضى قبل أن ينطفئ الحريق دون أن يقول كلمة.
وكان كافالييه واقفًا بقميصه وساقيه العاريتين، لا يتحرك وعندما أتى رجال القرية حملوا حارسي وهو كالمجنون.
ذهبت إلى المحكمة شاهدًا وسردت الحادث بتفاصيله دون أن أبدل شيئًا، فبرئ، كافالييه، ولكنه ترك البلدة في اليوم نفسه ولم أعد أراه. هذه قصة صيدي أيها السادة.!
محمد ناجي الطنطاوي