عليكم عمر بن الخطاب ولم آلكم خيرًا فإن صبر وعدل فذلك علمي به وإن جار وبدل فلا علم لي بالغيب والخير أردت، ولكل إمرء ما اكتسب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) ثم ختمه بخاتم الرسول صلى الله عليه وسلم وأمر به فقرء على المسلمين وقد أطل عليهم فقال لهم أترضون من أستخلف عليكم فإني والله ما ألوت من جهد الرأي ولا وليت ذا قرابة فاسمعوا وأطيعوا قالوا سمعنا وأطعنا ثم دعا عمر وأوصاه ولما خرج من عنده رفع أبو بكر يديه وقال اللهم أني لم أرد إلا صلاحهم وخفت عليهم الفتنة فعملت فيهم بما أنت أعلم به واجتهدت لهم رأيًا فوليت عليهم خيرهم وأقواهم عليهم وأحرصهم على ما أرشدهم وقد حضر لي من أمرك ما حضر فاخلفني فيهم فهم عبادك ونواصيهم بيدك أصلح اللهم ولاتهم واجعله من خلفائك الراشدين وأصلح له رعيته. ثم أوصى عائشة أن يدفن إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن تغسله زوجته أسماء وابنه عبد الرحمن وكتب وصيته بخمس ماله ثم ترك الدنيا غير آسف عليها وكان آخر كلامه (رب توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين) وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر.
هذا ما أردنا ذكره من ترجمة أبي بكر رضي الله عنه وقد اعتمدنا فيها صحيح الكتب التاريخية كتاريخ الملوك والأمم لابن جرير الطبري وتاريخ الكامل لابن الأثير وتاريخ المبتدأ والخبر لابن خلدون والرياض النضرة في مناقب العشرة للمحب الطبري وإتمام الوفاء للعلامة الخضري وغيرها ولم نأل جهدًا في اختصار ما يلزم اختصاره وانتقاء ما يسهل فهمه مع حذف ما تكرر وتوضيح ما أشكل وجمع ما تفرق وكثيرًا ما بينا وجوه العبر واستنهضنا همم المسلمين للاقتداء بسلفهم الصالح وشرحنا المواضع التي يجب أن نعتبر بها ونسير عليها. والاستمداد من كتب التاريخ معروف غير منكور لمؤرخي هذا العصر وغيرهم وماذا يفعل من يكتب تاريخًا مضى عليه ثلاثة عشر قرنًا هل يمكنه أن يستغني عن الاستمداد من غيره؟ هذا ابن الأثير من متقدمي المؤرخين العظام قد نقل عن ابن جرير وغيره كثيرًا من الحوادث بالحرف ولم ير بأسًا في ذلك وهذا أشهر المشاهير قد غلب عليه اعتماد ابن الأثير حتى أنه قد ينقل منه صحائف متوالية ولم يعب عليه أحد ذلك.
هذا وقصدنا من نشرنا تاريخ أبي بكر رضي الله عنه أن يطلع الناس على سيرة سلفهم الصالح ليقتدوا بهم لعلّ الله أن يهب المسلمين روحًا جديدة فيعملوا على مقاومة هذه