نظر المعنيون بدراسة البيان العربي وآدابه إلى مناهج التعبير وأساليب التخاطب التي ينقل بها المتكلم ما يروم التحدث به إلى غيره، فوجدوا أن هناك دوافع ومحرضات تحمل المتكلم على إظهار ما لديه من معان في نظم من القول تختلف أساليبه وفنونه بحسب اختلاف الموضوع الذي يراد فهمه وإفهامه طبقًا لمقتضى الحال، فليس مقام أداء الحقائق العلمية كأداء المعاني الأدبية، وليس أداء الحقائق التعبدية كأداء حقائق الترغيب والترهيب، وليس القول في المعاتبة كالقول في التغضب والهجران وهكذا في سائر مقامات الكلام إذ لكل مقام مقال كما يقول أرباب البلاغة.
وقد عالج القرآن الكريم مقامات الكلام وأساليبه بحسب موضوعاتها فنرى اختلاف الأساليب المكية التي جاءت لإثبات العقيدة والبرهنة عليها ومجادلة المخالفين لها -في الأعم الأغلب- عن أساليبه في السور المدنية التي جاءت -في أكثر أحوالها ومناسباتها- لبيان الأحكام الشرعية والآداب الاجتماعية، والصفات الخلقية، وأحوال المجتمع السياسية، وأصول الحكم وغير ذلك.
ففي السور المكية نلمح شدة الأسلوب وقوة الأسر في العبارات وقصر الفقر والآيات، ونزولها على نحو من الاتساق النظمي ليكون مدخلًا لها إلى القلوب.
ونرى في السور المدنية هدوءًا في التعبير، وتفصيلًا في بيان الأحكام والشرائع.