فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وفي قوله تعالى:"وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا"لطيفة ونكتة: وهي الإشارة إلى صاحب المصيبة يجمع بين الصبر بالفعل وبين الصبر بالقول، قال صاحب التحرير والتنوير: لأن الاعتقاد يُقوى بالتصريح؛ لأن استحضار النفس للمدركات المعنوية ضعيف، يحتاج إلى التقوية بشيء من الحس.
وفي التعبير القرآني الدقيق:"إذا أصابتهم مصيبة قالوا"فائدة بليغة: وهي أن الاسترجاع يكون عقب المصيبة مُباشرة، وأن الصبر عند الصدمة الأولى، وأن الثواب الأعظم الذي يترتب على الصبر هو ما كان في أول الأمر، وهذا هو الصبر، لهذا قيل: إن الذي يفعله العاقل عند المصيبة، يفعله الجاهل بعد ثلاث.
"إنا لله"أي نحن مملوكون لله، وهو سبحانه المالك لنا ولغيرنا، وأن من حق المالك أن يتصرف في ملكه بما يشاء، وأن لا يعترض المملوك على المالك في شيء. هذه واحدة.
والثانية: أن العقل والمنطق يقتضي أن المالك لا يتصرف في ملكه إلا بما هو الأصلح له، وأنه لا يكون مُفسدًا لملكه بحال من الأحوال.
وفي هذا اللفظ الجليل:"إنا لله وإنا إليه راجعون"ما ليس في غيره من الألفاظ الدالة على الاسترجاع، وفيه من التسلية والتعزية للنفس ما ليس في غيره من الجمل والعبارات، فتتجلى فيه بلاغة التفسير القرآني وروعته.
وفي قوله:"إنا لله وإنا إليه راجعون"كمال التعزية والترضية للنفس المصابة، نقول: نحن وغيرنا سنرجع إلى الله، ويُجزينا على كل صبر وفقد.
ونقول: إننا سنرجع إلى الله، وسيعوضنا ما فقدناه أو خيرًا منه، وإن كانت المصيبة في عزيز وقريب فستلتقي به عند الله، ولا أحسن من هذه المواساة.
وقال سبحانه:"أولئك عليهم صلوات من ربهم"ولم يقل لهم صلوات! لفظ (عليهم) أبلغ في الدلالة وأعظم في المزية، فهو هنا يدل على اختلاط الصلوات بهم، وإشارة إلى أنهم منغمسون في رحمة الله قد غشيتهم وتجللتهم، كما يقول ذلك الألوسي رحمه الله، في روح المعاني.
واستنبط رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله تعالى:"إن الصفا والمروة"البدء بالصفا قبل المروة، قال صلى الله عليه وسلم: (نبدأ بما بدأ الله به) . قال العلماء: فإن بدأ بالمروة قبل الصفا لم يُجزئه.
وقوله تعالى:"فمَن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما"فيه دليل على أنه لا يُشرع السعي مُفردًا، بل لابد أن يكون مُقترنًا بكونه حج البيت أو اعتمر.
وفي قوله سبحانه:"ومَن تطوع خيرًا"إبطال لجميع البدع. لماذا؟
لأن الله قيّد التقرب إليه بما هو (خير) والبدع في الدين شر محض ليس فيه خير ألبته، والآية نصت على أن المتطوع إلى الله بالخير يناله الشكر من الله، وعليه: الذي يتطوع بالبدع لا يكون مثله ولا يناله الأجر والشكر، لا يناله غير العناء والنصب.
وفي قوله سبحانه:"إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى"الوعيد الشديد لكتمان العلم، قال العلماء: دلت الآية على أن كتمان العلم من الكبائر؛ لأن الله تعالى قد رتب عليه اللعن الشديد المتتابع منه سبحانه ومن الملائكة والناس أجمعين.
وفرّعوا عليه: أن تبليغ العلم الواجب لا يُستحق الأجرة عليه بذاته، كما لا يُستحق الأجرة على الإسلام، وعلى ما هو واجب فعله.
ومن فوائد الآية: وجوب العمل بخبر الواحد خلافًا لمذهب أهل الكلام، قال المستدل: لم يوجب عليه تبليغ البينات إلا وقد وجب قبول قوله، ولو لم يجب العمل ببيانه لم يكن إظهار هذا البيان واجبًا بالنسبة له.
ويؤكده قوله:"إلاّ الذين تابوا وأصلحوا وبينوا". حَكَم سبحانه بوقوع البيان بخبرهم. والبيان يجب العمل به بالاتفاق.
وفي قوله تعالى:"إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا"بيان أن للتوبة شروطًا، وأن من شروطها: الإصلاح والبيان، وأن مَن يعصي الله علانية يجب عليه أن يتوب علانية، وأن مَن يُفسد في الأرض لابد في تصحيح توبته من إصلاح ما أفسد وتبينه.
وقوله:"وماتوا وهم كفار"استدل به على أن الكافر الذي لم يمت لا يجوز لعنه؛ لأنه لا يُعلم بأي شيء يُختم له.
وفي قوله تعالى:"أولئك عليهم لعنة الله"تجويز لعن مَن مات على الكفر بعينه؛ لأن الله أخبر على سبيل التقرير أن الناس يلعنونهم.
(يُتْبَعُ)