فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وقوله تعالى:"ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك"فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه إخبار بحال المُعاندين من أهل الكتاب، وأن كفرهم كفر عناد لا بسبب البرهان أو بسبب عدم فهم الإسلام، قال صاحب الظلال رحمه الله: إن كثيرًا من طيبي القلوب ليظنون أن الذي يصد اليهود والنصارى عن الإسلام أنهم لا يعرفونه، أو لأنه لم يُقدم لهم في صورة مُقنعة، وهذا وهم، إنهم لا يُريدون الإسلام لأنهم يعرفونه، يعرفونه فهم يخشونه على مصالحهم، وعلى سلطانهم، ومن ثم يكيدون له ذلك الكيد الناصب الذي لا يفتر.
وقوله تعالى:"وما أنت بتابع قبلتهم"قال الراغب: فيه إشارة إلى أن مَن عرف الله حق معرفته، فمن المحال أن يرتد، ولهذا قيل: ما رجع مَن رجع إلاّ من الطريق، أي ما أخل بالإيمان إلاّ مَن لم يصل إليه حق الوصول.
وقوله تعالى:"ولئن اتبعت أهواءهم"استُنبط منه: الترهيب من اتباع أهل الأهواء والبدع، قال الشوكاني رحمه الله: اتباع أهوية المبتدعة يشبه أهوية أهل الكتاب، كما يُشبه الماء الماء، والتمرة التمرة، وقد تكون مفسدة اتباع أهوية المبتدعة أشد على الملة؛ لِكونهم ينتمون إلى الإسلام وهم على العكس.
ومن الفوائد في الآية: النهي الصريح عن اتباع منهج اليهود والنصارى ومنهم المستشرقون، يقول صاحب الظلال رحمه الله في تفسير الآية: وما أجدرنا اليوم أن نستمع إلى هذا التحذير، ونحن في بلاهة منقطعة النظير، نروح نستفتي المستشرقين في أمر ديننا، ونتلقى عنهم تاريخنا، ونأمنهم على القول في تراثنا، ونسمع لما يدسونه من شكوك في دراسة لقرآننا، وحديث نبينا وسيرة أوائلنا، ونُرسل إليهم البعثات من طلابنا يتلقون عنهم علوم الإسلام!
وقوله تعالى:"ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات"استُدل به على أفضلية الصلاة في أول الوقت، قال المُستدل: ربط الله بين التوجه إلى القبلة وبين الأمر باستباق الخيرات، فعلمنا أن المقصود هو المُبادرة إلى الصلاة.
وقوله تعالى:"ولأُتم نعمتي عليكم"فيه البشارة بدخول الجنة لأهل الإيمان، وللعبد الذي يواظب على الطاعة والصلاة، قال سعيد بن جبير يرحمه الله: ولم تتم نعمة الله على عبده حتى يُدخله الجنة.
الحلقة الثالثة والعشرون:
في قوله تعالى:"ولا تقولوا لمن يُقتل في سبيل الله أموات"أعظم حض وأبلغ ترغيب على الجهاد في سبيل الله، وتعريض النفس على القتل فيه سبحانه، وفيه إثبات أن الشهيد له حياة خاصة غير حياة غيره.
وقوله:"ولكن لا تشعرون"يدل على أن هذه الحياة تكون للشهداء قبل يوم القيامة، أي في حياة البرزخ. كيف هذا؟ لأن الله أخبر أننا لا نشعر بوجود هذه الحياة والإحياء، والإحياء يوم القيامة نشعر به كما نشعر به في هذه الدنيا وأبلغ.
وقال سبحانه:"ولنبلونكم"ثم قال:"وبشر الصابرين"ففي الآية الأولى: أسند البلوى إلى الله تعالى، وفي الآية الثانية: أسند البشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن الفوائد في ذلك: أن إسناد البلوى إلى الرب سبحانه يُخفف من آلامها، ففي استشعار العبد أن البلوى من عند الله تعالى دلالاته على أنها خير محض. إذ إن أفعال الرب سبحانه وتعالى كلها خير وكلها صلاح، ولا يدخل فيها شيء من الشر والفساد.
وأما إسناد البشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هو تكريم له صلى الله عليه وسلم ورفعة لشأنه صلى الله عليه وسلم عند المؤمنين، بحيث تحصل خيراتهم بواسطته.
ومن فوائد الآية: إثبات المحاسبة في حياة البرزخ، وأن القبر إما روضة من رياض الجنان، وإما حفرة من حفر النيران. نسأل الله حسن الخاتمة.
قيل: ولو كان المراد إحياءهم يوم القيامة لقال: سيحيون. ولم يقل: أحياء. الذي يدل على الحاضر الناضر، وفرق بين اللفظين.
وقال سبحانه:"ولنبلونكم بشيء من الخوف و الجوع"وقال في سورة (النحل) :"فأذاقها الله لباس الجوع والخوف"ففي الآية الأولى: يُخاطب الله تعالى عباده المؤمنين، فأتى لهم بلفظ (شيء) ليدل على المواساة والتعليل والتهوين.
وأما آية سورة (النحل) : فإن الخطاب فيه عن المكذبين الذين كفروا بأنعم الله، فأتى عند الإخبار بلفظ (لباس) وهو لفظ يدل على التكلف واللزوم. نسأل الله لنا العافية.
(يُتْبَعُ)