فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وقيل: لفظ (ثم) ليس للتراخي، وليس هنا إفاضتان، هي إفاضة واحدة تُسمى الحُمس كانوا يفيضون من مزدلفة الحرام ترفعًا وتكبرًا أن يفيضوا مع الناس، فأكد الله عليهم مكان الإفاضة بقوله:"ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس"أي: أفيضوا من عرفات حيث أفاض الناس.
ما وظيفة (ثم) على هذا القول؟
(ثم) هنا ليست للتراخي، مستعارة لإظهار التفاوت بين الإفاضتين في الرتبة، فلإشعار أن أحدهما صواب والأخرى خطأ.
وفي قوله سبحانه عقبه:"واستغفروا الله"تعقيد لسنة شريفة وهي ختم العبادات بالتوبة والاستغفار، وأكدها بقوله:"فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله".
وفيه إشارة إلى إثبات قصور العبد في أداء حق الرب سبحانه.
وفي قوله سبحانه:"ومن الناس مَن يقول"عقب قوله:"فاذكروا الله"الإشارة إلى أدب عظيم من آداب الدعاء، وهو تقديم الذكر والثناء على الله وتمجيده.
وفي قرن الذكر بالدعاء فائدة عزيزة ونكتة، قال الألوسي - رحمه الله - قرن سبحانه الذكر بالدعاء للإشارة إلى أن المعتبر من الذكر ما يكون عن قلب حاضر وتوجه باطن كما هو حال الداعي حين طلب حاجة، لا مجرد التفوه والنطق به.
وفي قوله سبحانه:"كذكركم آباءكم أو أشد ذكرًا"التعريض بما كان عليه أهل الجاهلية من التفاخر بالأنساب، وإبطال التفاخر بالآباء.
ومن الفوائد في الآية: إثبات أن الدعاء ذكر، وأن الذكر دعاء؛ لأن الله سبحانه ربط بينهما فقال:"ومن الناس مَن يقول"بعد قوله:"فاذكروا الله كذكركم آباءكم".
ومن الفوائد: إثبات أن الدعاء يكون بخيري الدنيا والآخرة، وأن الاقتصار على طلب الآخرة لوحدها مع الإعراض عن خير الدنيا ليس هو المطلوب.
ومن الفوائد: الرد على مَن يزعم أن عبادة الله منزهة عن الأغراض، لا لأجل ثواب ولا لخوف عقاب، وإنما هي لذات الله سبحانه.
الحلقة التاسعة والعشرون:
قال الله سبحانه:"من الناس مَن يُعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه"وفي قراءةٍ:"يشهد اللهُ على ما في قلبه"قوله سبحانه:"والله يشهد أن المنافقين لكاذبون"قال العلماء هذه الآية الكريمة في وصف حال المنافق، وهو من أدق وصف لحال أهل النفاق. ما المناسبة بينها وبين ما قبلها؟
لما ذكر أهل الإيمان بقوله سبحانه:"ومن الناس مَن يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة"ثم ذكر أهل النفاق بقوله:"ومن الناس مَن يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وما له في الدنيا من خلاق"بقي صنف ثالث: وهم أهل النفاق ذكرهم هنا عقب الآيتين السابقتين.
وفي قوله سبحانه:"يُعجبك قوله في الحياة الدنيا"الإيماء إلى الذي لا يُحسا إلاّ الحديث عن الدنيا هو مظنة للتهمة، وأن الأمر الحسن حقيقة هو ما كان في الآخرة والأمر الباقي، في الحديث الشريف ما هو أبلغ من الذم، قال صلى الله عليه وسلم: (ما اجتمع قوم في مجلس لا يذكرون الله فيه إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة) .
وفي قوله سبحانه:"وهو ألد الخصام"التنفير ممَن كان هذا وصفه، وفيه الإشارة إلى ذم الخصومة الشديدة.
واستدل به على ذم علم الجدل.
ثم قال الله تعالى:"وإذا تولى سعى في الأرض ليُفسد فيها"يعني إذا انصرف من عندك كان عمله عمل الفساد لا كقوله الذي يُعجبك.
وقيل:"وإذا تولى"إي إذا غلب وصار واليًا عمل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل.
وهذا التفسير سائغ في اللغة، ولكن التفسير الأول هو الأولى هنا؛ لأنه هو المناسب للسياق قبله. قال:"ومن الناس مَن يُعجبك قوله"ثم قال:"وإذا تولى".
وفي قوله سبحانه:"ليُهلك الحرث والنسل"الإشارة إلى زراعة الأرض وغرس الأشجار، وأن جلب النسل - وهو نماء الحيوان - أمر مطلوب.
وفي قوله سبحانه:"ليُهلك الحرث والنسل"التوعد لكل عمل يحصل به فساد الأرض من غير حق وبلا مصلحة، قال بعض العلماء في الآية: أن مَن يقتل حمارًا أو كدسًا من الزرع فقد استوجب الملامة، ولحقه الشين إلى يوم القيامة.
وقوله سبحانه"ليهلك الحرث والنسل"من الألفاظ الفصيحة جدًا الدالة مع اختصارها على المبالغة الكثيرة.
ومن فوائد الآية: تفطين أهل الإيمان لئلا يغترّوا بالمظاهر دون الحقائق، وأن يعتبروا بما وراء الكلام الحسن.
(يُتْبَعُ)