الصفحة 108 من 254

والأستاذ"محمد حسين"في تأريخه للاتجاهات الفكرية من سبعين سنة يصور هذا النزاع الحاد بين الإسلام المدافع عن كيانه، وبين الغرب الزاحف بأطماعه وماضيه وثاراته، بين المستمسكين ببقايا الإيمان ووصايا الكتاب في بيوتهم وأعمالهم، وبين المفتونين ببريق الحضارة المنتصرة وإيحائها المتحرر في الشئون الخاصة والعامة. فيقول:"انقسم زعماء الإصلاح كما رأينا إلى فريقين، فريق ينظر إلى قديم الشرق والمسلمين، يتغنى به ويستوحيه، وفريق ينظر إلى ما حقق الغرب في حاضره من تفوق فهو يزينه للمصريين ويدعوهم إلى احتذائه والسير على خطاه. وسرى هذان الأسلوبان في كل شئون الحياة، فأصبحنا أمام فريقين متقابلين. فريق يدعو الناس إلى الثورة على الماضى، يدفعهم إلى الجد دفعا لا رفق فيه ولا هوادة، وبحملهم عليه حملا لا تدرج فيه. وفريق آخر يريد أن يوقظ ضمائر الناس ووعيهم عن طريق الدين، ثم يتركهم بعد ذلك للتطور الطبيعى، محذرًا مما تنطوى عليه الطفرة من أخطار لا يؤمن معها العثار، مناديا بأن أى بناء لا يقوم على أساس تنقية النفس وإحياء الضمير هو بناء فوق رمال، لا يعلو إلا لينهار. ... ظهرت آثار هذين التيارين في السياسة، فكان أنصار الجامعة القومية يمثلون الفريق الأول، وكان أنصار الجامعة الإسلامية يمثلون الفريق الآخر. وظهرت في الأدب وفى الفن، فكان هناك فريق يتخذ مثله الفنية من الأوروبيين. وكان فريق آخر يستمد قيمه من قديم العرب ومن تقاليد الشرق. وظهرت في التعليم، فكانت هناك مدارس عصرية تأخذ بأساليب الدراسة الأوروبية ومدارس أوروبية للجاليات الأجنبية أقبل عليها أبناء الأغنياء من المصريين، وكان إلى جانبها معاهد دينية تقتصر على العلوم الشرعية والإسلامية وما يتصل بها. وظهرت في المجتمعات وفى سائر شئون الحياة، فكان هناك مجددون، أو مقلدون إن شئت، يبغضون إلى الناس قديمهم البالى ويصرفونهم عنه داعين إلى مسايرة العصر والأخذ بكل مستحدث طريف، وكان هناك المحافظون في الأزياء وفى آداب الاجتماع وفى أساليب العيش وأنماط الحياة. وقد نشأ عن هذين التيارين المتباينين تناقض في الحياة المصرية، التى جمعت ص _10 ص"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت