بين المحافظة المتزمتة، وبين التطرف في الأخذ بأسباب المدنية الغربية، وبين التوسط الذى يأخذ من كل من الاتجاهين بنصيب. وبدأ التناقض في قصر الخديوى"عباس"، وسوى منه إلى بيوت الأغنياء والمترفين. فكان"عباس"يحتفل في قصره بشهر رمضان احتفالا عظيما، فيدعو إلى مائدته مختلف الطوائف، ويحضر مع حاشيته دروس التفسير منذ السنة الأولى لحكمه، ولكنه كان يقيم مع ذلك حفلا راقصا في عابدين كل عام منذ سنة 18 ص 5، يمتد فيه السهر إلى الصبح، وكان يسمى (ليلة البللو) . وقد حج"عباس"مع والدته إلى بيت الله الحرام سنة 1 ص 0 ص. ولكنه كان يسافر مع ذلك في رحلة طويلة إلى أوروبا كل عام. وقد وضح أثر هذا التناقض في شعر شوقى ـ شاعر القصر ـ فتجاور في ديوانه وصف المرقص والخمر، مع مدائح الرسول وتمجيد الإسلام. وكانت هذه الصيحات المتباينة المتنافرة التى تأخذ الناس من كل جانب تفزع كثيرًا من المصلحين وأصحاب الرأى، لما ينشأ عنها من بلبلة الأفكار واختلاط القيم في أذهان الناس"أ. هـ."
وهذا أولا: وصف صادق لطبيعة الحياة المنبثقة من بيئتنا وطبيعة الحياة الوافدة علينا مع الغرب الغالب المستعلى. ثم هو ثانيا: إيماء سريع إلى تبدد القوى هباء بين الطبيعيتين المتصارعتين وفقدان النهضة الشاملة التى تندفع إليها الأمة كلها عن اقتناع ومحبة بإعزاز .. في حرب فلسطين كنت أرى شبابًا تلمع في أعينهم بوارق اليقين، وتظهر في كلماتهم محبة الاستشهاد. خرجوا من ديارهم راكبين في ثواب الله وحده يقاتلون اليهود المغيرين لأنهم يريدون استنقاذ أرض الإسلام من أعداء الإسلام ... كان هذا النفر من الناس يسمع في استغراب - أو قل في استنكار- إنه خرج من أجل عصبية ما، أومن أجل شخص ما .. وكان يندهش لما يتحدث به الساسة المسئولون عن فلسطين من أن هذه الحرب الناشبة يبن اليهود والعرب ليست حربًا دينية ولا صلة لها بدين. هذه الفجوة القائمة بين الجماهير والساسة تولد معها حركات الأمة ضعيفة أو ميتة ص _110