الصفحة 16 من 254

أحدهما ناشئ عن نهم العقل في طلب المعرفة -القريبة والبعيدة- نهمًا قد يعيبه إذ يكلفه فوق طاقته. والآخر ناشئ عن حق العقل في طلب الحقيقة، وكشف الشبه المحيطة بها وتخليص جوهرها من كل شائبة تعلق به .. الأسئلة الأولى يجب استبعادها، ويستطيع المرء -عقلا- أن يكف عنها. أما الأخرى فإن تجاهلها طلبًا للراحة جهل كثيف لا يقبل من إنسان، ولا يسوغ عليه إيمان ... قد يعجز الكاهل أن يحمل ثقلا ما، ولكن العجز عن حمله لا يعنى عدمه. وقد يعجز العقل عن تفسير كائن ما، ولكن العجز عن تفسيره لا يبطل وجوده. أما أن يحكم العقل باستحالة صورة من الصور أو قضية من القضايا بطرقه العتيدة في البحث والاستدلال فهذا ما لا يمكن تجاهله، ولا يقبل غض الطرف عنه، ولا يمكن سوقه في صعيد واحد مع النوع الأول. والذين يخلطون بين النوعين وهم يؤمنون أو وهم يكفرون قوم جائرون. و"وليم جيمس"ينبئنا بأنه أهمل الأسئلة التى عرضت له كلها، وأسكت الشكوك التى جاشت في نفسه، ورجع بعد رحلة طويلة من الريبة والقلق إلى نصرانيته الأولى. ثم قال يشرح نفسه وهو آيب إلى دينه:"أفترانى توصلت الآن إلى حلول لتلك الأسئلة؟ وشفاء لتلك الريب والشكوك التى تنازعتنى في صباى؟ كلا. فما من أحد وسعه أن يفسر لغز الكون وسر الحياة! .. إننا محاطون بالألغاز والأسرار من كل جانب، فآلية جسدك سر من الأسرار، وكذلك الكهرباء التى تستضيء بها في بيتك، والأزهار التى تزين حديقتك، والخضرة التى تتطلع عليها من نافذتك. بل لقد رصد"شارلس كزنج"المهندس العبقرى المشرف على معامل أبحاث شركة"جنرال موتورز"ثلاثين ألف دولار سنويا من جيبه الخاص لكلية"أنطاكية"عساها أن توفق إلى معرفة سر اخضرار الزرع. ص _017"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت