إن الأرض حفلت بكثير من العصاة الذين قضوا شطر أعمارهم أو أغلبها في ظلام الإثم. حتى إذا انقشعت عنهم الغمة، وارتفعت عن أعينهم الظلمة، عادوا إلى دين الله تائبين ـ فعرفوا المعروف، وأنكروا المنكر، واستأنفوا مج ربهم علاقة أزكى وأنضر .. فماذا عرا الدنيا حتى يحاول فسدتها أن يجروا الدين نفسه إلى عبثهم. وماذا عرا العلماء، حتى يسارعوا في هواهم ويرغبوا في رضاهم؟ إنها فتنة، بيد أنها تثير الغثيان والمضاضة. إننا نرمق كثيرًا من أصحاب الأسماء اللامعة في ميادين الصحافة والفن والتعليم يحيون كما يهوون، غير حراص-البتة- على تعرف أحكام الله فيما يأتون ويذرون. وقد يستحى الواحد منهم أن يجهل تقليدًا غربيًا في أسلوب السلوك العام، بل في أدب الطعام والشراب. ولكنه لا يستحيى أبدًا من أنه لا يعى في تعاليم الإسلام حرفًا، ولا يدرك منها إلا ما يتخيله ويرضاه. وربما لا نتعرض لهؤلاء إذا شربوا الخمور واتخذوا الخليلات وضلوا الطريق ـ طول عمرهم ـ إلى بيوت الله طلبًا لمغفرة، أو إقامة لصلاة. نعم ربما لا نتعرض لهم بالتقويم، لأن ذلك ليس في طاقتنا .. بيد أننا لا نسكت إذا حاول تارك الصلاة منهم أن يطعن في وجوبها أو مفطر رمضان منهم أن يخدش من قداسة فريضته. لن نسكت إذا حاولوا مد آثامهم إلى نطاق الإسلام نفسه، يبغون تشويه آياته، وتقويض نظامه، وتحريف الكلم عن مواضعه. إن السكوت عندئذ لا يعنى إلا إماتة الإسلام ومواراته الثرى. والله إن الحياة بعده هى الخسران المبين،. ونعود مرة أخرى إلى علماء السوء الذين يزينون الإلحاد، ويمهدون بمقالاتهم طرق الفساد، نعود إليهم لنلفت الأنظار إلى خطورة تركهم، يدلسون على الإسلام ويعوجون بدعوته الكريمة. ص _173