ومن هنا يجب صيانة الأخلاق الخاصة بصيانة الجماعة نفسها من فنون العبث والسفاهة التى تذر عليها كما يذر الغبار على الرءوس في العاصفة الهوجاء. وأظن أن أغلب ما يذيع"الراديو"وأغلب ما تكتب الصحف لا يساعد على تقويم خلق أو تهذيب سلوك. بل لعلنا نصيب صميم الحق إذا قلنا: إن الكثرة الغامرة من الإذاعات والقراءات المتاحة للناس هى بلاء تختنق الفضائل في ضجته، وتحتضر في أزمته. وإن ضمان العافية للأخلاق لن يتم إلا إذا خرست الأصوات الخنثة، وانكسرت الأفلام التى تدغدغ الشهوات. إننى أفتح"الراديو"حينًا فأجتهد أن أستمع إليه وهو يهمس حتى أتبين ما يقول وحدى قبل أن تخترق مسامع الأطفال الأبرياء، ألحان أنثى لذعها الهجر أو صب أضناه الهيام!!. والغريب أن البرامج الآن أخذت تعرض روايات مسلسلة تتخللها أحداث دامية وفصول مهيجة. وذلك كله إغراق في اللغو، لا بل هو إغراق في شغل الأذهان بالهراء وصرفها عن الجد والإنتاج. أما الصحف فإن حسابها عسير على ما تنشر بأحرف كبار وصغار. ولن أعرض للصحف التى تخصصت في تصوير النساء وهن مستلقيات، أو في إبراز مفاتنهن وهن على أوضاع يندى لها الجبين. لن أعرض لهذه الصحف بنقد، فإن الملام يوجه للحرائر لا إلى البغايا! وما نقول لأناس يهشون للمنكر، ويودون لو نبت الجيل كله في حمأته؟ ما نقول لأناس يمقتون الإسلام، ويريدون أن يصبحوا ويمسوا، فإذا التراب مهال على فطرته وشريعته؟ لا كلام لنا مع هؤلاء، إذ لا جدوى للكلام معهم. وإنما نلوم الصحف التى انساقت -وهى تدرى أو لا تدرى- في نشر الجرائم المختلفة وسرد تفاصيلها بدقة، وإطلاق الخيال بعد ذلك يكمل ما عجزت الوقائع عن سبكه. ومن ثم يطالع القراء كل يوم أنباء الانحراف والعوج، وقصص الخيانة والتهريب والشذوذ، وحوادث الغصب والقتل والعد وان .... إلخ. ص _175