الصفحة 180 من 254

وإذا كانت الإذاعة عاجزة عن أن تساهم مساهمة شريفة فعالة في التعبئة الروحية، فلا أقل من أن تكف أذاها وأن تمنع عن العمل على هدم الروح المعنوية في الأمة وتحطيم رجولتها وحاسة الحياء في نفوس أفرادها. وأما الصحافة فإنه لما يحزن أن نشاهد في عهد الثورة تسابقها نحو الانحلال الأمريكى الذى يسمونه فنًا صحفيًا .. فتراها تتنافس في الإثارة والتسلية التافهة وأبواب الجريمة حتى بلغ الأمر بنا أن رأينا صحيفة كبرى عرفت بالجد والاتزان تضعف عن المنافسة فتنزلق إلى الميدان وتستبدل بصفحتها الثقافية العميقة صفحة تسلية قصصية رخيصة وسلاسل بوليسية كثة: وهى ـ بانحدارها المؤلم ـ قد تفقد بعضًا من قرائها الجادين دون أن تستطيع جذب الهازلين الذين سيجدون دائمًا في الصحف الأمريكية من الهزل أكثر مما يستطيعون أن يجدوا في الصحيفة الجادة التى انساقت في تيار العبث. .. بل لقد بلغ بنا الأمر أن رأينا حكومة الثورة ذاتها تعطى بعض الصحف الأمريكية رخصا لكى تصدر طبعة عربية في بلادنا! .. وكأنه لم يكفنا تسرب الفن الأمريكى المسف إلى صحفنا المصرية فأبينا إلا أن تنشر الصحف الأجنبية ذاتها في بلادنا لكى يبلغ الإسفاف أقصاه! وكل هذا في وقت تناصبنا فيه أمريكا أشد العداء، وتبذل كل جهد في مناصرة الصهيونية والاستعمار اللذين يعتبران أخطر عدو لنا في حاضرنا ومستقبلنا، وتستخدم صحافتها ووسائل دعايتها في تضليلنا وتمويه الحقائق أمام أبصارنا. وكأنه لم يكفنا ذلك الاستعمار الثقافي العاتى الذى تشنه أمريكا ضدنا بواسطة ترجمة الكتب الأمريكية وبيعها بثمن زهيد بفضل أموال"فرانكلين"وغير"فرانكلين"، فأبينا إلا أن نمكن أمريكا أيضًا من الاستعمار الصحفى وهو أخطر أنواع الاستعمار الثقافي والروحى في بلاد تقرأ فيه الصحف أكثر مما تقرأ الكتب"أ. هـ. ونحن إذ نؤيد هذه الصيحة نضيف إليها أن أول أثر لهذه الكتابة المستفيضة ابتذال الجريمة وفهمها على أنها عمل يقع من هذا وذاك. ص _177"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت