وسألت آخر: ما أغراك بشراء هذه السلعة من صناعة الغرب وقد أصبحنا ننتج نظائر لها في بلادنا؟. فقال: إن الوارد من هناك أمتن وأبقى، وربما كان أغلى سعرًا - للضرائب التى تفرض عليه قبل وقوعه بأيدينا - ومع ذلك فأنا أوثره. إن إنتاجنا يجب في سوق المنافسة الحرة أن يروج بجودته وخصائصه، لا بمشاعر العطف والتعصب. وما دام نقص القادرين على التمام لازمًا لنا، فإن الذين كتبوا الإحسان على كل شىء أحق بالقبول والحفاوة منا .. قلت: تريد أن تتهمنا بالتفريط؟ قال: بل بالتبلد! إن الرجل هناك يفرغ قواه ومواهبه كلها في عمله، فإذا خرج بعد ذلك وبه شائبة احمر وجهه استحياء. وهو لا يرضى بكمال بلغه إلا ريثما يبحث عما هو أكمل منه. ومن ثم يطرد سير الحياة عندهم، ويتمخض عن الروائع في كل ميدان. أما نحن فالعمل يخرج من بين أيدينا كالسقط الذى لم يكتمل خلقه. وهو إذ يخرج كذلك -بعد أن أمضينا فيه أكثر من أمده- نطلب عليه أجرًا مضاعفا!!. قلت: لعل ما تقوله حق ...
يظن كثيرون منا أن الشرق الإسلامى أصابه في العصر الأخير ما أصابه من ضعف وتقهقر لأنه فقير إلى بأس الحديد وفيالق الجنود، ولأن أعداءه أكثر مالا وأعز نفرًا. وذلك خطأ. فإن المسلمين هانوا حقًا. ولكن لأنهم فقراء إلى العقائد والأخلاق والأعمال، وأعداؤهم عزوا حقًا لأنهم ـ ولا نفتات عليهم ـ لا يقلون غنى في قواهم المعنوية عن غناهم الواسع في آفاق الحياة المادية .. إن ثقة هؤلاء الناس بما عرفوا من أوهام أربى من إيماننا -نحن- بما ورثنا من إسلام. ص _181