الصفحة 189 من 254

هل معنى ذلك أن يميت الله أمة توفرت بين بنيها خصائص الحياة؟ أو أن القدر القاهر يعترض مسير إحدى الأمم الناهضة فيوقفها ويجىء إلى أخرى كسيح فيسعفها؟ كلا، فالأجل المحتوم يطرد مع قوانين الأسباب والمسببات، بل هو واحد منها ... !! فالأمة التى تستجمع عناصر الخلود، يطول في الأرض بقاؤها. والأمة التى تستعجل دواعى الفناء، لا تلبث أن تطيح مع الأمس الذاهب. كالرجل الذى يسىء إلى صحته، لا بد أن يقترب من منيته. أما الذى يتحرى العافية في شئونه كلها، فهو أهل لأن يسلم في دينه ودنياه. في هذا العصر أمم ألمح أبناءها وبناتها، فتأخذنى الدهشة. إنهم كبواكير الروض جدة وتألقًا. تطفر الحياة مع وثباتهم، وتتجدد مع آمالهم، وتتقدم مع أعمالهم .. !! وهناك أمم أخرى، هى كما قال الشاعر:"تلوح كباقى الوشم في ظاهر اليد". هامدة الحس، كأنها تستريح عقب شوط طويل. ولو كانت راحة استجمام لظهرت فيها علائم الصحو. لكنها راحة إعياء وخور .. !! وكثيرا ما أسائل النفس: أهذه أمم قاربت أن تفارق الحياة؟ فهى لا تعرف الصبا إلا ذكريات، ولا القوة إلا أنباء تاريخ غبر!! أم أن هذا الوهن عرض ينقضى، وتعقبه عهود عمل وانتعاش؟ أجل، فربما كانت دورة التاريخ في أمة ما، كدورات الزرع في حقول الفلاحين عندنا. يسطو الدود على أشجار القطن فيتلفها عامًا أو عامين. ثم تزهر بعد ذلك، ويقرب جناها، ويكثر خيرها. ص _186

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت