أما العقل الرحب فإن منادح النظر تنفسح أمامه، ويستطيع أن يبين الحقائق غير مبالغ فيها ولا منقوص منها. ويستطيع أن يقارن بينها وبين سواها مما وعته الخبرة والتجربة، فلا يكون ضحية خبرة محدودة وتجربة قليلة .. لقد رأينا أسرع الناس إلى تكفير الآخرين وغمط حقهم أقلهم سهما في فقه الدين والدنيا. وما أكثر ما ينشأ ضيق العطن عن قصور الإدراك، وسوء الحكم عن سوء الفهم!! أما مع رفعة المستوى الثقافي للجماعة فإن اختلاف وجهات النظر قلما يخدش وحدتها. إذ أن إنصاف المعارضين، وتقدير ما عليهم، وما لهم، يحسم شرورًا كبيرة .. !! والناظر في أحوال المسلمين الآن يلحظ على عجل ضآلة حظوظهم من المعرفة المحترمة .. فمبلغ علمهم بالدنيا يقذف بهم إلى مؤخرة الركب العالمى. ومبلغ علمهم بالإسلام يقطع بأنهم ليسوا أهلا لرسالته مهما ادعوا وزعموا. إن الأجيال الحاضرة ربطت تفكيرها بطائفة من الكتب التى خلفها عصر الانحلال البائد. فالبحث الفقهى يستمد مسائله ـ إلى يوم الناس هذا ـ من كتب ألفت من خمسة قرون. ومن البديهى أن تنهزم الشريعة أمام القوانين الوضعية بعد أن لازمها هذا الجمود المزرى. وسائر المعارف الإسلامية كأنما كتب عليها أن تتبع الأدنى في كل نسق. فتراث الأئمة الفحول يطوى ويختفى على حين تنشر في كل مكان آثار المؤلفين من الدرجة الثالثة فمَنْ تحتهم .. ! وتصور الأدب العربى لا يعرف إلا من مؤلفات عبد الله باشا فكرى أو البهاء زهير مثلا! ويقصى عنه إقصاء المعرى وأبو تمام والمتنبى وأضرابهم. ص _214