العناية بوطننا القريب في هذا الوادى، والعناية بوطننا الكبير في أرض العروبة كلها، والعناية بوطننا الأكبر في الدائرة الفسيحة التى تضم المسلمين جميعًا، تلك أصول نتقيد بها ونحن نفكر بعقولنا أو نحس بأفئدتنا. وهى مصادر لا يمكن الغض من شأنها في تكوين الناشئة الحديثة. وأى تثقيف يتجه لواحد منها فهو خليق بأن يتوجس منه. أما التسامى بملكات الفرد ووصلها بأنقى المنابع الإنسانية في الشرق والغرب فأمر مفروغ منه، ولا منافاة أبدًا بينه وبين ما قررنا .. وتوكيدنا للحقيقة التى شرحها صاحب"فلسفة الثورة"آنفًا يرجع إلى أن من كتابنا من يتجاهلها أو من ينكرها، وهو يحاول خدمة الثورة أو تملقها. فالدكتور"طه حسين"في كتابه (مستقبل الثقافة) يخيل إليك أن حضارة مصر جزء من حضارة البحر المتوسط، وأن صلتها بالإغريق واللاتين أدنى من صلتها بعرب الجزيرة أو عرب السودان، ثم هو يذهب مع الخديوى"إسماعيل"إلى ضرورة جعل مصر قطعة من"أوروبا". والجرى وراءه في هذا الضرب من التفكير منته حتما إلى سلخ مصر عن عروبتها وإسلامها وإلى عزلها عن تاريخها وحضارتها ورسالتها. وهذا السلخ أو العزل بعض ما يصبو إليه الغزو الثقافي الوافد مع الاستعمار، وأثره مدمر للقيم التى ظللنا قرونا نحيا بها. ومضلل للسياسة التى سلكناها مع جيراننا وإخواننا فأعزت جانبنا في كل مكان. إن للدكتور"طه حسين"ولغيره من النقاد أن يشددوا الحملة على الأزهر؟ وأن ينددوا بما لحقه من عجز. ولكننا في غمار هذا النكير نفرق بين صنفين من النقاد. صنف يعيب على الأزهر توانيه في خدمة الرسالة التى نيطت به، وينقم من رجاله أنهم فرطوا في الأمانة التى ألقتها الأقدار بين أيديهم. وصنف آخر يتوسل بإغلاق الأزهر إلى مأرب هائل، هو القضاء على دين ولغة. واستقبال عهد يجيد كل لغة إلا لغة العروبة، ويحتفى بكل تقليد إلا تقاليد الإسلام. وأود أن أوصى هؤلاء بالإياس! فإن ما يطلبون لن يكون!! ص