الصفحة 229 من 254

أما مؤاخذة الأزهريين أنفسهم على تفريطهم في جنب الله، ومحاسبة معهدهم العتيق على مقدار ما يؤدى في سبيل اللغة والشريعة فباب مفتوح لكل غيور على مصلحة هذه الأمة، حريص على ضمانات التوفيق لشئونها الكبرى. ويوجد في الكبار والصغار من علماء الأزهر من يعرف مكمن الداء ويصف أنجع الدواء. على أن هناك ملاحظات يجب أن نلفت إليها حين نتحدث في التعليم الدينى والثقافة الإسلامية. أولاها أن المفاهيم المختلفة يدركها على مر العصور ما يرتفع بها حينا وينخفض بها حينًا. وكما ترى اللجج في جوف البحر تعلو فتعلو معها السفن وما ضمت، وتهبط فتهبط معها حتما، كذلك تاريخ الأمم يرتفع فيكون لكثير من الحقائق مداها الرحب. فإذا كبا ضمرت هذه الحقائق وضؤلت حتى لكان لها اسما آخر. غير ما عرفت به أمس. الأدب مثلا إحدى هذه الحقائق. كان للعرب في العصور الأولى أدب نقى العبارة صادق المشاعر، تتنفس فيه العواطف البشرية من أعماقها، وتسترسل فيه كيف شاءت، حتى إن أبا تمام يرد إلى الشعر ما ارتسم في الأذهان من صور المجد ونماذج الكمال، ويقول: ولولا خلال سنها الشعر ما درى بغاة العلا، من أين تؤتى المكارم هذا الشعر الذى استبحرت دواوينه خلال القرون الأولى طرأ عليه من المسخ والتفاهة ما جعله كلامًا لا وزن له، وإن انتظمت عروضه وقوافيه. إذ أصبح الشاعر يصوغ القصيدة ملغزًا في خاتم، أو مسفًا في مدح. وتستطيع أن تقيس البون البعيد بين الشعر في العصر الأول، والشعر أيام المماليك والأتراك. وما يقال في النظم يقال في النثر الذى تحول من سلاسته وحفوله إلى أسجاع مصنوعة وأساليب مهلهلة وفراغ من المعانى الجيدة والأغراض الكريمة. إن مفهوم الأدب شعرًا كان أو نثرًا أدركه في عصرين متغايرين تفاوت ظاهر. ص _225

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت