وهذا القول نفسه يساق في الدين. فإن مفهومه كبا في عقول الأخلاف وقلوبهم حتى لتكاد الصلة بينه وبين معنى الدين في عهود السلف تنحصر في العنوان وحده.
* كان الدين شارة حياة وقوة فأمسى شارة بلى ومعجزة.
* وكان مصدر طاقة على مواجهة الصعاب فأمسى مهرب المتخلفين في الدنيا ومسلاة الفاشلين في ميادينها.
* وكان جدًا وحقًا فأمسى لهوًا ولعبًا.
* وكان فطرة جميلة فأمسى صناعة دميمة. وخذ كلمة فقه مثلا على تغير المفاهيم في الأذهان. إنها الآن تعنى علم تشريح الوضوء والصلاة وما إليهما. فهل ذلك ما يعنيه سياق الكلمة في الآية الكريمة"فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم"؟. كلا. إن الفقه في الدين كان يعنى فهم العبادات والمعاملات والأخلاق والسياسات وشرائع الله في الدنيا وما بعد الدنيا. وكان يتطلب حذقًا في فهم الحياة لا يتم الفقه إلا به، فإن الجهل بالحياة يحول يقينًا دون تطبيق أحكام الله عليها.
وملاحظة ثانية حين نتحدث عن الثقافة الإسلامية إن الإسلام ينتق الإنسان من قوقعته التى يعيش فيها، ويخرجه منها إخراجًا، ليصل لبه وقلبه بالشمس والقمر والأرض والسماء والحياة والأحياء. وينابيع الإيمان فيه لا تفور بالرى ولا يتصل دفقها إلا إذا أمدها عقل جواب في الآفاق غواص وراء أسرار الكائنات، واقرأ إن شئت هذه الآيات:"إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين * وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون * واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون * تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق ...". ص _226