نعم تلك آيات الله، وفيها دلائل صارخة بأن الإنسان لا ينضج له يقين إذا انعزل في كهف معتم من القصور والجهالة بما حوله من مظاهر الكون. ولو أن التفكير الإسلامى أخذ مجراه العتيد في ضوء من هدايات الله التى رأينا قبسًا منها لكان له شأن آخر في هذا العصر. لكنه التوى وتراجع لظروف لا مكان لذكرها على حين واتته فرص التقدم والانطلاق في بيئات أخرى. ومن حق الحياة علينا، ومن حقنا على أنفسنا أن نقتبس ونستفيد ممن أحسنوا حيث أسأنا، وممن تمرسوا بعلوم الطبيعة وتفقهوا في أسرار الوجود، في الوقت الذى انشغلنا فيه بعلوم الجدل وأمثالها .. ولا عيب علينا في ذلك، فنحن بهذه الاستفادة نستأنف السير وفق المنهج الذى خطه لنا القرآن وحضنا على التوغل فيه. ثم إن هذا اللون من المعرفة تتداوله أقطار الدنيا دون تحرج، ويتعاون الأعداء والخصوم على إبلاغه تمامه. وقد بذل آباؤنا أنصبة ضخمة في النهضة به وعنهم نقل الفرنجة المهاد الذى بنوا فوقه فأعلوا البناء: قلنا إذن يد سلفت لا بأس أن نستردها. وفى هذا يقول الدكتور"محمد البهى":"الغرب له حضارة صناعية تمكن بها من الاستيلاء على منافع الطبيعة وتسخيرها في وقع مستوى معيشة الإنسان ورفاهيته، وهى حضارة مقدورة إذا قيست بنتائجها وفائدتها في الحياة العملية الإنسانية، وكذلك إلى المجهود العقلى والفنى في تصميمها وتنفيذها. .. هذه الحضارة تتمثل في صناعات كثيرة تقوم على الآلات الميكانيكية ويشرف عليها نفر قليل من العمال الفنيين والمهندسين المتخصصين، فصناعات السفن والسيارات، والطيارات، وقطارات السكك الحديدية، ومولدات الكهرباء، وأجهزة الرصد والاختبار، وآلات الطباعة، والسينما والراديو والتليفزيون والمواصلات السلكية واللاسلكية .. وغيرها هى من الآلات التى يكثر إنتاجها، وتؤدى خدمات متنوعة لا يستطيع تأديتها المجهود البشرى العادى بوسائله المحدودة. ص _227"