وعلى هذا لا ينبغى أن يعد مثقفًا من حفظ معلومات شتى، وظل مع كثرة علومه مدخول الأخلاق ردىء المسالك. ولعل هذا الملحظ هو الذى جعل العرب يصفون الرمح بأنه مثقف إذا ذهب ميله واستقام عوجه .. ! فلا الرمح المائل يعتبر مثقفًا، ولا الرجل المائل يعتبر كذلك! ومن ثم يتضح الوفاق بين المعانى البدائية لمدلول الكلمة عندنا وبين قول"هكسلى": إن الثقافة شىء فوق جميع المعارف واكتساب الحذق في صناعة ما. وقوله أيضًا: إن رجلا ذا أدب ولا علم له رجل غير متوازن، يميل جنب منه عن جنب. وكذلك رجل ذو علم لا أدب له .. ويوسع"باكون"هذا المعنى الكامل للثقافة، حين يرى أنها تشمل ما يتصل بالحياة الروحية للإنسان، من خلقية ودينية .. وعقلية.
* * أما مواد الثقافة التى نريد جمع المسلمين عليها، فيحسن أن نستعرضها، ناظرين ـ في حدود العدل والواقع ـ إلى المدى الذى يمكن أن تبلغه وسائل التثقيف المعتادة. ولا بأس أن ننتفع بعبر التاريخ -وما أكثرها في ماضينا- انتفاعًا يغير أفكارًا قد نكون ألفناها، ولا ضير من إطراحها. ولنبدأ باللغة. إن العربية لغة القرآن. وللناس لغات شتى. ولم يقل أحد: إن من أهداف الإسلام العظمى تعريب العالم كله. فهذا أولا مستحيل. وهو -ثانيًا- محاولة لتعطيل آية من آيات الله في الأنفس والأفاق. قال عز وجل:"ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين". فلتبق لكل شعب مسلم لغته الخاصة ما شاء البقاء عليها. ص _232