وليس يقبل من الدكتور"أحمد زكى"أن يتخيل عذرًا أو مساغًا لرجال الكنيسة الأولين أو الآخرين في اختلال المكان الذى فرضوه لأنفسهم، وخصوصًا في مجال الاعتقاد. فإن عيسى لم يترك فراغًا لأحد في هذه الناحية من الرسالة التى بعثه الله بها.
أما صلة الفلسفة بالدين، وصلة الفلسفة الإغريقية ـ خاصة ـ بالحضارة الحديثة فمسألة أحب أن أقلبها على وجوهها، ولا أريد أن أغلب رأيى ولا رأى الدكتور فيها. ولعل ذوى البصر بالتاريخ يساعدوننا على استبانة الصواب. إن اشتباك الفلسفة بتعاليم الدين، هو في نظرى ضرب من لبس الحق المقطوع به بالظن الحائر المضطرب. وكما نجح العلم الطبيعي ودنت ثماره لما هجر الفلسفة الطبيعية ومناهجها، كذلك يجب أن يسير الدين بعيدا عن فلسفة ما وراء الطبيعة، وما تضمنته هذه الفلسفة من أوهام وخبط .. من فلاسفة الإغريق من زعم أن العالم محاط بغلاف من النيران الملتهبة. وأن الشمس والنجوم التى تتألق ليلًا، ليست إلا ثقوبًا في هذا المحيط النارى. ومنهم من جعل الكون مخلوقًا من عناصر معينة هى الهواء أو الماء، ومنهم. ومنهم. وليس المهم أن هذا حق أو خرافة، وإنما المهم منهج التفكير الذى يتمخض عن هذه النتائج!. إنه منهج سقيم، إنه ضرب من اللغو أو اللهو!! .. فلما قام في العالم المنطق التجريبى والرياضى، تحددت الوسائل التى يطلب بها الحق، وظفر علماء الكون والحياة بمعارف رائعة. وبهذا طردت الفلسفة الطبيعية طردًا من هذا الميدان. فإن كان أسلوب الفلسفة كلها واحدًا في تعرف الحقائق، فأى معنى لاحترام فلسفة ما وراء الطبيعة، أو التعويل على النتائج التى تفد بها؟؟. ص _241