إن الدين ثروة من الأحكام، نقلها المعصوم عن رب العالمين، في مجال لا اجتهاد فيه لبشر، ولا مكان فيه لتظن. فإذا تحدث هذا الإله عن نفسه، وعن صفاته، وعن شرائعه التى ارتضاها لعباده، فمن السخف أن نخلط هذا الحديث بتخيلات رجل يعتزل في ناحية ثم يقول: إن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، وإن مصدر الوجود تولدت عنه عقول ثمانية وأفلاك سبعة!!. أو أن هناك عالمًا من المثل تلتقى عنده نماذج الخير والشر إلى آخر ما تضمنت الفلسفة الإلهية من شطحات. إن إلزام أهل الدين بسماع هذا الهراء، كإلزام أهل العلم بقبول كلام"أنا كسيمندر"و"أنا كسمين"في خلق العالم من ماء، أو من خمر!! ..
* وليت أهل النصرانية، وأهل الإسلام صانوا أديانهم عن مقالات الفلاسفة. إذن لبقى لها رواؤها السماوى، ولما التبس الوحى الأعلى بتخرصات الأرض. فالمحزن أن علوم العقيدة ـ عندنا نحن المسلمين ـ شابتها أوهام الهنود الإغريق فعكرت صفوها، وبذرت فيها بذور الفرقة والزيغ. وإننا لنبذل الجهود الآن لتخليص العقيدة من مصطلحات الفلاسفة وتقاسيمهم لتعود إلى بساطتها الأولى في كتاب الله وسنة رسوله. أما تأثر النصرانية بالفلسفات القديمة فأمر معترف به. لقد قامت"الأفلاطونية الحديثة"تمزج بين الفلسفة والدين مزجًا تميزت به مدرسة الإسكندرية، وعرف لرجالها كأفلوطين وفيلون وغيرهما. وتأثر هذه الديانة بالرواقية الإغريقية لا ينكر. بل إن فلسفة التثليث تعتبر طارئة على تعاليم العهد القديم وأنبيائه جميعًا. وهى -فى نظرنا- مقتبسة من فلسفة الهنود وقدماء المصريين. إن الكنيسة لم تحارب الفلسفة القديمة .. بل خاصمت العلم الحديث. وقصة"غاليليو"التى ذكرها الدكتور تشهد لهذا. ص _242