وهم - وأنا أعنى ما أقول - يسيئون إلى دينهم بهذا الضعف أكثر مما يسيئون إلى دنياهم. وقد شرعوا الآن يتخففون من أثقال الجهل الذى أزرى بهم، ويعودون إلى الإدراك الحق لطبيعة دينهم وحياتهم على سواء. والمسئول عن هزيمتهم أولا، ليسوا طائفة تسمى رجال الدين، لأن هذه الطائفة وما تستتبع من مراسيم روحية ومدنية لم يعرفها الإسلام قط. إن الاستبداد السياسى، والجور الاجتماعى، والتعصب الجنسى، كانت هى المزالق التى هوى فيها تاريخنا، وكانت-كذلك - المظاهر التى خرج فيها على طبيعة الإسلام.
ولقد كان الدكتور"زكى أبو شادى"أبصر بطبيعة الإسلام وأعرف بالثمار التى تجتنى من تعاليمه عندما تساءل: ما هو إذن موقف الإسلام من الحضارة؟ ثم أجاب:"إن موقف الإسلام من الحضارة هو الموقف المنتظر من الأب البار نحو ابنته، أجل، إن الإسلام يعتبر الحضارة سليلته لأن دستور التقدم الإنسانى بالقرآن العظيم، وكل عامل يؤدى إلى رقى البشرية هو منه وإليه، وكل ما ناهض هذا التقدم غريب عنه وكثيرًا ما نقرأ عن التوفيق بين الحضارة والإسلام، وهذا التعبير -فى الواقع- تعبير خاطىء إذ لا خلاف مطلقًا بين الإسلام والحضارة، فالحضارة نتيجة من نتائج النظام الإسلامى والفلسفة الإسلامية العملية. والحضارة الإسلامية - أى المترعرعة في كنف الإسلام - حضارة شاملة عامة، لأن روح الإسلام عالمية، فهى لا تعرف التعصب إطلاقًا - اللهم إلا للخير العام -. وفى سبيل الخير العام تقتبس من مدنيات شتى وتتبناها وتشجعها وتصهر حسناتها جميعًا في بوتقة التسامى الإسلامى. إن الإسلام، الدين العالمى التقدمى، لم يتخل ولن يتخلى عن أى فكر صالح أو عمل نافع كيفما كان، وأينما كان مصدره وعصره وأصحابه. إذ يعد كل ذلك ثمرة تعاليمه ونتاج تبشيره. وفى عصرنا الحاضر خاصة، إذ تحدثنا عن أية نهضة أو حضارة مفلحة محسنة تمثلنا فوزا الإسلام الكريم بتعاليمه النورانية التى شعت شرقًا وغربًا وأخذت يد ص _245"