الصفحة 28 من 254

ويظهر أن هناك انفصالا نفسيًا أو ارتباكا مرضيًا في نفوس هؤلاء الذين لديهم أكوام من العلوم المخزونة ثم هم لا يفيدون منها. رأيت مرة سيارة فارهة تلمع أبوابها وعجلاتها، ولكنها توقفت في الطريق لخلل في الجهاز الذى يمدها بالوقود مع كثرة البنزين فيها. فكان أن جرتها دابة قوية إلى حين .. !! ذكرت مع هذا المنظر أولئك الذين تقودهم أهواؤهم الدنيا فتجرهم على الوحل جرأ مع أن لديهم من العدة ما يطيرون به في الجو ويقطعون به الفيح!! هذا الفساد لا منجاة منه إلا بتصحيح القلب، وتغليب الضمير الزاكى على وساوس الرجس والانحلال. وذلك ما قاله النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهى القلب".

ولحكماء الإسلام حساسية شديدة بحركات القلوب، ولذا فهم يحرصون على سلامتها في الوقت الذى يعالجون فيه أحكامًا نظرية بحتة. والاشتغال بالثقافة النفسية يساوق الاشتغال بالثقافة العقلية في تراثنا الأدبى العام، إلا أن الانفصال بين التيارين أضر إضرارًا كبيراُ بمناهج التربية وسير الحضارة الدينية عندنا .. ولم يقع هذا الانفصال وتتسع شقته إلا بعد انقضاء القرون الأولى وذهاب الفقهاء الصالحين. فجاء بعدهم من يخاطب العقل دون القلب أو القلب دون العقل، وقد لفت الأنظار في مقدمة كتابى"عقيدة المسلم"إلى ما في هذا المسلك من حيف. واكتفى بإيراد هذه النبذة:"والذى آخذه على منهج البحث في علم الكلام -فى حدود ما درسنا من كتبه- أنه نظرى بحت ينظم المقدمات، ويستخلص النتائج، كما تصنع ذلك الآلات الحاسبة في عصرنا هذا أو الموازين التى تضبط أثقال الأجسام ثم تسجل الرقم وتقذف به للطالبين. ص _02 ص"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت