الفتيا ... والنظرية التالية هي نظرية معمر بن عباد السلمي (معاصر للنظام) الذي توسع في تفريع المعرفة فجعلها عشرة انواع وذكر فيها نوعا هاما جديدا هو معرفة الذات المباشرة دون الاستعانة بالحواس والعقل، وهذه المعرفة أفاد منها ابن سينا كثيرا فيما بعد.
وبعد هذا العرض لنظريات المعتزلة الذين سبقوا الجاحظ او عاصروه، يعلن الجاحظ موقفه، فيرى ان آراءهم فاسدة، ويتوقف عند قولهم ان معرفة اللّه مكتسبة ليثبت انها كسائر ضروب المعرفة اضطرار. ويعني بالاضطرار عدم تدخل الإرادة في معرفة الاشياء، ويستدل على ذلك بتعرف الطفل على الاشياء المحيطة به بفضل التجارب المتتالية التي يمر بها منذ ولادته وحتى يبلغ ويميز.
إن هذه التجارب برأيه غير قصدية، أي أنها تختلف عن تجارب البالغ التي يرافقها التصميم والقصد اي الإرادة و «إن البالغ مذ سقط من بطن أمه، الى ان يبلغ، مقلب في الامور المختلفة، ومصرف من خلال الحالات المعروفة التي تلقمه الدنيا بما تقرر عليه من عجائبها. ويزداد في كل ساعة معرفة، وتفيده الايام في كل يوم تجربة، كما يزداد لسانه قوة وعظمه صلابة، ولحمه شدة، من أم تناغيه، وظئر تلهيه، وطفل يلاعبه، وطبيب يعالجه، ونفس تدعوه، وطبيعة تعينه او شهوة تبعثه، ووجع يقلقه، كما يزيد الزمان من قوته ويشد من عظمه ولحمه، ويزيده الغذاء عظما، وكثرة الغضب والتقليب جلدا، فإذا درج وحبا وضحك وبكى وامكنه ان يكسر اناء او يكبه او يسود ثوبا، او يضرب صبيا، فضرب دبره الخادم وانتهره القيم فلا يزال ذلك دأبه ودأبهم حتى يفهم الاغراء والزجر والتعدية والانتهار، كما يعرف الكلب اسمه اذا ألح عليه الكلاب به، وكما يعرف المجنون لقبه، وكما يحضر الفرس من وقع السوط لكثرة وقعه بعد رفعه عليه» .
هذا الوصف الجميل، لعملية تعلم الانسان بالتجارب اللاإرادية، يوضح لنا ما ذا يعني الجاحظ بقوله ان المعرفة اضطرار او طباع. ان المعرفة تتم بالطبع او الغريزة لأن الجاحظ يعتبر عقل الانسان غريزة كسائر الغرائز، تعمل دون ان تخضع