فهرس الكتاب
استفدنا من الآية والحديث الذي رواه عبد الله ابن عمرو عن الرجل الأنصاري أن العمل القليل مع سلامة الصدر من الحسد والغل والغش خير من العمل الكثير الذي ليس معه تلك السلامة، ولكن عندنا هنا إشكال في ادعاء عبد الله بن عمرو أنه خاصم أباه فغضب عليه، واتخذ ذلك وسيلة إلى أن يكون ضيفا عند الأنصاري ليراقب عمله بالليل من صلاة، وقراءة قرءان ودعاء، فهل كان ذلك جائزا أن يتذرع المرء بالكذب البحت ليتوصل إلى خير، وهو ما يسمونه في لغة أهل هذا الزمان المأخوذة من اللغات الأجنبية: الغاية تسوغ الواسطة.
والذي نفهمه من أدلة الكتاب والسنة أن الكذب في مثل هذا لا يجوز، فهي هفوة ارتكبها هذا الصحابي الناشئ حرصا منه على الخير، واكتشاف الأسرار ليعرف ما يقوم به الأنصاري من العبادة بالليل حتى شهد له النبي صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة ثلاث مرات في ثلاثة أيام متوالية.
ثم قال ابن كثير: وقوله تعالى: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) يعني حاجة، أي يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم ويبدأون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أفضل الصدقة جهد المقل، وهذا المقال أعلى من حال الذين وصف الله بقوله تعالى (76: 8 ويطعمون الطعام على حبه) ، وقوله (2: 177 وآتى المال على حبه) فإن هؤلاء تصدقوا وهم يحبون ما تصدقوا به، وقد لا يكون لهم حاجة إليه ولا ضرورة به، هؤلاء آثروا على أنفسهم مع خصاصتهم وحاجتهم إلى ما أنفقوه.
ومن هذا المقام تصدق الصديق رضي الله عنه بجميع ماله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لأهلك ؟ فقال أبقيت لهم الله ورسوله. وهكذا الماء الذي عرض على عكرمة وأصحابه يوم اليرموك، فكل منهم أمر بدفعه إلى صاحبه، وهو جريح مثقل أحوج ما يكون إلى الماء، فرده الآخر إلى الثالث حتى ماتوا عن آخرهم، ولم يشربه أحد منهم رضي الله عنهم وأرضاهم.