في طريقته فقال لي طالب العلم يجب أن يتسع فكره وخلقه لمجالسة جميع الناس وبذلك يتسع علمه وأدبه ولا يجب أن يقلدهم في كل ما يدَّعون، يأخذ ما صفا ويدع ما كدر وإن لم تجتمع بهذا الرجل يفوتك علم وأدب كثير فذهبت إليه لأجتمع به وكان قاضيا في محكمة فاس الجديدة فنظمت أربعة أبيات لا أحفظ منها إلا شطر البيت الرابع وهو ( وهذا مدى قصدي وما أنا مستجد ) ... أعني أن غرضي بالاجتماع بك المذاكرة العلمية فهي غاية قصدي وإن اعتبرنا ما موصولة يكون المعنى والذي استجديه أي أطلب وإن اعتبرناها نافية تميمية يكون المعنى ولست مستجديا أي طالبا مالا فلما خرج من المحكمة وأراد أن يركب بغلته التي كانت على باب المحكمة ولجامها بيد خادمه تقدمت إليه وأعطيته الصحيفة التي فيها الأبيات فلما قراها فقال لطالب كان يرافقني وهو الحاج محمد بن الشيخ الأراري أنت تعرف بيتنا، فقال نعم، قال فأت به على الساعة التاسعة صباحا فخرجت مع الرفيق المذكور من مدرسة الشَّرَّاطين وكان يسكن فيها على الساعة الثامنة والنصف لنصل إلى الشيخ على الساعة التاسعة وكان ذلك اليوم الثاني عشر من ربيع الأول وهو يوم عيد عند المغاربة وكثير من البلدان الإسلامية وفي المغرب طائفة يسمون (العيساويين) أتباع الشيخ بنعيسى المكناسي وهؤلاء لهم موسم في كل سنة يجتمعون فيه في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول ويأتون من جميع أنحاء المغرب فيضربون طبولهم ومزاميرهم ويترنمون بأناشيدهم إلى إن يظهر للناس أنهم أصيبوا بالجنون وحينئذ يفترسون الغنم والدجاج بدون ذكاة بل يقطعونه بأظافرهم ويأكلون لحمه نيِّئا والدم يسيل منه وقد ملئوا أزقة فاس وهي ضيقة في ذلك الزمان وحتى في هذا الزمن فلم نستطع أن نصل إلى بيت الشيخ إلاَّ بعد مُضي ساعتين ونصف من شدة الزحام فلما وصلنا وأخبرنا بوابه ذهب ثم رجع إلينا و قال إنكما لم تجيئا في الموعد المضروب والشيخ مشغول عنده حكام فرنسيون فارجعا إليه بعد صلاة