واستمر المحققان بضرب الأمثلة للكتب المطبوعة مع الجهل بمؤلفيها، وكانا في غنى من كل ذلك لو نقلا الترجمة المختصرة للمزني التي سطرها يراع السيوطي في البغية، أو اطلعا على الترجمة التي كتبها ياقوت الجموي في معجم الأدباء (14/ 98 - 99) قال ياقوت:
"على بن الفضل المزني أبو الحسن النحوي: نقلت من خط أبي سعيد عبدالرحمن بن علي اليزدادي في كتابه المسمى (( جلاء المعرفة ) )تعرّض فيه للمآخذ على العلماء، قال: وكان قرئ كتاب الكرمانيّ في النحو على أبي الحسن المزني، وقرأه هو على أبيه، وأبوه على الكرمانيّ. وفضل أبي الحسن في عصره على من كانت تضرب إليه آباط الإبل في العراق لاقتباس العلم منه. وكان ابن جرير يحثه أبدًا على قصد العراق علمًا منه بأنه لو دخل بغداد لقبل فوق غيره، ولكان الأستاذ المقدم، وبلغ من فضل علمه أنه صنف كتابًا في علم (( بسم الله الرحمن الرحيم ) )وسماه (( البسملة ) )ويقع في ثلاثمائة ورقة، وله في النحو والتصريف مصنفات لطيفة نافعة. وقد روي المزني عن إسحاق بن مسلم عن أبي سعيد الضرير". انتهى كلامه.
وياقوت - وإن لم يذكر سنة ولادته ولا سنة وفاته - حدد العصر الذي عاش فيه المزني حيث إنه عاصر ابن جرير الطبري المتوفى سنة 310هـ [8] . وذكر الحموي بعض شيوخ المزني وهما والده وإسحاق بن مسلم.
دراسة المحققين للكتاب
بدأها المحققان بسرد مؤلفات خاصة بالحروف، فذكرا تسعة وثلاثين مصنفًا، وفات عليهما ذكر مؤلفات أخرى كثيرة، وإن كانا قد اعتذرا لنفسيهما في البداية فقالا: (وحسبنا أن نثبت هنا بعض ما وقفنا عليه [9] ومما فاتهما ذكره:
1 -منازل الحروف للرماني: حققه د. مصطفى جواد ويوسف يعقوب مسكوني.
2 -الحروف في اللغة لأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي.
3 -الحروف في النحو لأبي عبدالله محمد بن جعفر القزاز.
4 -معاني الحروف وأقسامها لأبي القاسم حسين بن الوليد بن العريف.
5 -معاني الحروف لعبدالجليل بن فيروز الغزنوي.
6 -شرح معاني الحروف لعلي بن فضال المجاشعي.
7 -معاني الأدوات والحروف لابن القيم.
وغيرها.
ثم انتقل المحققان إلى الحديث عن منهج المؤلف في كتابه فقالا:(سار المؤلف في كتابه على نهج مطرد مستتب لا يتخلف إلا قليلًا، فهو يذكر الألفات أولًا فالباءات فالتاءات .. إلى أن يصل إلى الياءات، ثم يعقد - كما تقدم القول في ذلك - للهمز والهمزات واللام ألفات حديثًا آخر.
وخطته أن يذكر الأنواع المختلفة للحرف الواحد ثم يشرع في تفسيرها. والتفسير عنده لا يعني غير التمثيل على نوع الحرف الذي ذكره أولًا) [10] . وواضح من كلام المحققين أن الكتاب مختصر جدًا، وأن مؤلفه يكتفي باسم الحرف ومثال له، لكن المحققين - بسبب اعتمادها على نسخة واحدة للكتاب ولأسباب أخرى - أخذا على المؤلف اضطراب خطته من جهات أربع:
الأولى: ذكره بعض الحروف ثم عدم تفسيرها، وذكرا لذلك أمثلة:
1 -إغفاله ذكر الفاء التي بمعنى (( حتى ) )في التفسير [11] ، والسبب في ذلك أن المؤلف مثّل لها عند تعداده الفاءات فقال: (وفاء بمعنى حتى كقوله تعالى:"فأنتم فيه سواء"أي حتى أنتم فيه سواء) [12] .
2 -إغفاله ذكر لام الصيرورة في التفسير [13] ، والسبب في ذلك أنه قال: (ولام الصيرورة وقيل: لام الملك) [14] ثم مثّل للام الملك فقال: لزيد مال، وهذا المال لزيد [15] فهو يعدهما شيئًا واحدًا.
3 -إغفاله ذكر لام النهي في التفسير [16] ، وهذا المأخذ من المحققين جاء بسبب النسخة الوحيدة التي اعتمدا عليها في التحقيق، إذ (( لام النهي ) )غير موجودة في نسخة ليدن، وهي النسخة الثانية للكتاب التي ظفرت بها، ويؤيد إسقاطها أن المؤلف قال: (اللامات ثلاثون) [17] وبزيادة النهي صارت إحدى وثلاثين، وقد حار المحققان في الأمر فعلقا قائلين: (لم نعثر على لام مفردة للنهي، كما أن المؤلف أسقطها في التفسير كما سيأتي، ولعله أراد اللام المركبة المعروفة بلا الناهية) [18] والصحيح أن المؤلف لا يريد (( لا الناهية ) )لأنه قد ذكرها في آخر الكتاب [19] .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)