وكيف يَنْزِع عن ذلك، أو يُقْلِع عنه، وقد وجد راحة نفسه، وطمأنينة قلبه، والأنس بمحبوبه في طول الوقوف بين يديه سبحانه، وكثرة المناجاة له؟ وكيف يُقْلِع عن ذلك وهو يرى أن (من لم تكن قرة عينه في الصلاة، ونعيمه وسروره ولذته فيها، وحياة قلبه وانشراح صدره"4، فأولى به أن يكون من السُّرَّاق في صلاتهم، الذين ينقرونها نقرًا."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ تهجده وقيامه الليل: فقد قال عنه ابن رجب رحمه الله:"كان ذا عبادة وتهجد"1.
وكيف بهذا العالم الرباني يغفل عن قيام الليل، أو يتوانى في ذلك، وقد علم أنه (وَقْتُ قَسْمِ الغَنَائم) 2، فأسهر ليله، ووقف بين يدي مولاه والناس نيام حتى يكون يوم القيامة من الآمنين، وفي الموقف من المطمئنين؛ فإن من"سَبَّح الله ليلًا طويلًا، لم يكن ذلك اليوم ثقيلًا عليه، بل كان أخفَّ شيء عليه"3. كما يقول هو رحمه الله.
ويقرر - رحمه الله - أن في قيام الليل الكثير من الفوائد التي تعود على المسلم بالخير في صحته وبدنه؛ فإن قيام الليل"من أنفع أسباب حفظ الصحة، ومن أمنع الأمور لكثير من الأمراض المزمنة، ومن أنشط شيء للبدن والروح والقلب"4.
3ـ كثرة ابتهاله وتضرعه ودعائه: فقد وصفه ابن كثير - رحمه الله - بـ (كثير الابتهال) 5. وقد وُصِفَ أيضًا بـ"الافتقار إلى الله، والانكسار له، والاطِّراح بين يديه على عتبة عبوديته"6 بحيث لم يشاهد مثله في ذلك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
4ـ ملازمته - رحمه الله - لذكر الله واستغفاره: بحيث كان ذا (لَهَجٍ1 بالذكر ... والإنابة والاستغفار"2."
ومما يذكر عنه في ذلك أيضًا: أنه كان إذا صلى الفجر يجلس مكانه يذكر الله - تعالى - حتى يتعالى النهار جدًا، وكان إذا سُئِل عن ذلك يقول: هذه غَدْوَتِي3، ولو لم أَتَغَدّ هذه الغدوة سقطت قواي4. وقد ذكر هو - رحمه الله - عن شيخه ابن تَيْمِيَّة مثل ذلك5 فلا مانع أن يكون هذا الفعل ثابتًا عنهما رحمهما الله.
وحريّ بمثل ابن القَيِّم أن يحرص على الذكر، ويكثر منه ولا يفارقه، ويجد فيه راحة قلبه؛ وذلك أنه عرف منزلة ذكر الله وفوائده الجمة، حتى أخبر - رحمه الله - أن (في الذكر أكثر من مائة فائدة"6. ثم ساق من هذه الفوائد نيفًا وتسعين فائدة7."
فرحم الله ابن القَيِّم، ذاك الذي كان مثلًا صادقًا للعلماء العاملين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
5ـ قراءة القرآن بالتدبر والتفكر: فقد كان - رحمه الله - لا يفتر عن ذلك حتى في أوقاته الحرجة، ويصف تلميذه ابن رجب - رحمه الله - حاله في السجن، فيقول:"وكان في مدة حبسه مشتغلًا بتلاوة القرآن بالتدبر والتفكر"1.
ولأجل ما كان عليه في ذلك من التدبر والتفكر في كتاب الله، فإن تلميذه ابن رجب لم ير"أعرف بمعاني القرآن ... منه"2.
6ـ حرصه - رحمه الله - على أداء الحج مرات وكرات: فقد (حج مرات كثيرة، وجاور بمكة"3."
وفي أثناء مجاورته بمكة كان مشتغلًا بالعبادة لا يفتر، حتى إن أهل مكة كانوا"يذكرون عنه من شدة العبادة، وكثرة الطواف أمرًا يُتَعَجَّب منه"4.
ويصف هو - رحمه الله - شيئًا من عبادته وخضوعه لربه أثناء مقامه بمكة، وذلك عند كلامه على تأليف كتابه (مفتاح دار السعادة) فيقول:"كان هذا من بعض النزل والتُّحف التي فتح الله بها علي حين انقطاعي إليه عند بيته، وإلقائي نفسي ببابه مسكينًا ذليلًا، وتعرضي لنفحاته في بيته وحوله بكرة وأصيلًا"5.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وكيف لا يكثر ابن القَيِّم من أداء الحج وهو يصف تلبية الحجيج بأنها (إجابة محب لدعوة حبيبه ... وكلما أكثر العبد منها كان أحب إلى ربه وأحظى"1."
فلم يكن ابن القَيِّم في كثرة حجه، وزيارته لبيت الله الحرام، إلا مجيبًا دعوة حبيبه ومولاه.
ومع كل هذا الذي كان عليه ابن القَيِّم - رحمه الله - من الجد في العبادة، وبلوغه في ذلك رتبة عَلِيّة، فقد كان يتهم نفسه بالتقصير في حق مولاه، ويشكو كثرة ذنوبه وخطاياه! وهذا من كمال تواضعه وشدة خوفه من الله.
وقد وصف شيئًا من ذلك في قصيدة2 له يُذَكِّر فيها نفسه، أولها:
بُنَيُّ أبي بكرٍ كثيرٌ ذُنُوبُهُ فَلَيْسَ عَلَى مَنْ نَالَ مِنْ عِرْضِهِ إِثْمُ
بُنَيُّ أبي بكر جَهُولٌ بِنَفْسِهِ جَهُولٌ بِأَمْرِ الله، أَنَّى له العِلْمُ؟!
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)