ساعة، لكني وجدت أن الفارق كبير بين المواصلة إلى الشاطئ أو العودة إلى القارب، وقد تستغرب أيها القارئ لماذا لم أتأكد من وجود الوقود قبل أن ابدأ السباحة إلى الشاطئ؟!!!!! فسبحان من أعمى قلبي فلم يخطر على بالي إطلاقًا وقتها أنه كان يوجد جالون الوقود، وعندما عدتُ إلى القارب وفتحت الصندوق فإذا بالجالون مليء بالوقود فقلت: سبحان الله .. والحمد لله .. !!!، علمًا أنه لست أنا من قام بملء الجالون بالوقود بل كان أحد زملائي .. ولهذا قد تكون وسائل النجاة قريبة منك ولكن لا تصل لها لأي سبب .. ولهذا فإن الأسباب الماديّة تفتقر لتأثيرها إلا إذا أراد المُسبّب سبحانه وتعالى أن تعمل ..
ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسافر الشخص وحده، لأنه لا يعلم ما الذي سيحدث له من ظرف طارئ مثل مرض أو غيبوبة أو ظرف مفاجئ، فقد ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب) .
ولقد كان من أعظم ما رافقني في تلك الظلمات هو الذكر والدعاء، وهي العبادة الرفيع شأنها الخفيف حملها، العظيم فضلها، الكبير أثرها، فبها تطمئن القلوب، وبها تُطرد الشياطين، وتحضر الملائكة، (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء) ..
أما صاحبي أنس الصغير فلا حراك .. ولا أدري هل دخل في نوم عميق أم في غيبوبة تامة!! وفي اللحظة التي لا أزال أصارع فيها الأمواج، وأخطو نحو الشاطئ بمجاديف الإعياء والتعب والظمأ، ينكشف ستار الليل بأنوار الفجر الأول، ويتسلل إلى سمعي صوت الأذان لصلاة الفجر من يوم الجمعة"الله أكبر""الله أكبر""أشهد أن لا إله إلا الله".. كلمات هزّت كياني، وحركت أشجاني، فكأنها تمد يديها لي لتنتشلني من لجة الموت إلى ضفة الحياة .. كلمات جعلتني أستصغر هيبة البحر وغضبة البحر أمام كبرياء الله وعظمة الله، فالله أكبر من كل جبروت، والله أكبر من كل قوّة، والله أكبر من كل مخلوق، والله أكبر من كل تحدي، كلمات أسبلت معها دموعي، واهتز صدري بالنشيج المزلزل، واندفقّت من صدري تسبيحة عميقة من بين أنقاض الهمّ والوصب، لقد بدأت معالم الشاطئ تتمثّل لي، وبدأت أرى معها أملي الذي ساهرني طوال الليل حيًّا قريبًا في صورة فجر مشرق ويوم جديد، توضأت وصليت، واستدار فكري إلى الخلف أحاولُ أن أتخيّل حال صاحبي في عُمق البحر، ما حالُه؟ ما مصيره؟ أحيٌّ فأرجوه؟! أم ميّت فأدعو له؟! كيف أمضى ليلته؟!
ومع بزوغ الشمس اقتربت من الشاطئ .. وأدركتُ أني على وشك النجاة .. أصبحت أردد: الله أكبر .. الله أكبر .. لك الحمد إلهي .. لك الشكر ربي .. لك الثناء .. لك الفضل من قبلُ ومن بعد .. ،واقتربت قليلًا قليلا .. وشعرت بطرف قدمي تلمس باطن البحر .. سبحت لدقائق .. مددت يديّ لألمس الأرض في المياه الضحلة .. يا الله ما أعظمها من فرحه، إنها فرحة النجاة .. فرحة السلامة .. فرحة تعجز أمامها الكلمات .. وتتضاءل أمامها الأوصاف .. فرحة لا ينغصّها إلا ذكرى رفيقي الذي خلّفته ورائي .. حاولت أن أقف .. فخانتني رجلاي .. ولم أستطع الوقوف .. فأكملتُ المسافة زحفا على يديّ وركبتيّ .. وأنس مستلقٍ على كتفيّ .. وخرجتُ من البحر إلى الشاطئ الرمليّ فألقيتُ بجسدي المُنهك مستلقيا على ظهري .. وقد كتب الله النجاة لي ولأنس المنقطع بأعجوبة بعد سباحة طويلة امتدت من بعد صلاة عصر يوم الخميس إلى طلوع الشمس من يوم الجمعة.
لقد تبيّن لي بأن ذلك المعلم ما هو إلا برج حديدي في سكن لعمال إحدى الشركات التي تقع بين الطريق الذي يربط شاطئ نصف القمر ومنطقة العقير وهو ميناء الأحساء القديم .. ولقد حُدت عنه بفعل الموج وأصبح بيني وبينه مسافة يستحيل لمن في وضعي قطعها .. إنها منطقة مهجورة .. بعيدة عن الأنظار .. نائية عن حركة المسافرين وجلوس المتنزهين .. والوقت صباح يوم الجمعة، وهو وقت تقلُّ فيه حركة الناس .. لقد أدركت حينها بأن المعاناة لم تنته بعد، وأنه لابد لي أن أقضي فترة طويلة لأستعيد فيها قواي أو أن تبدأ حركة الناس ليزيد احتمال وصول من يسعفنا .. وما هي إلا لحظات فإذا بي أسمع صوت سيارة مسرعة قادمة إلينا .. لينزل منها سائقها وهو ينظر إلينا باستغراب ودهشة متسائلا: ما الذي جاء بكم إلى هذا المكان؟ قلت له: كنا غرقى من عصر أمس الخميس ... فبكى من شدة الفرح وردد كلمات كثيرة
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)