فيها الحمد والشكر لله على نجاتنا، بعد ذلك قام صاحب بحملنا بكل مشقة حتى أركبنا السيارة .. وهو متعجب مما حدث لنا .. وذكر لنا بأنه ظننا من دواب البحر ولم يكن يتوقعنا من البشر حين رآنا من بعيد نزحف من البحر نحو الشاطئ.
لقد سخر الله لنا هذا الرجل ليساعدنا ونحن أحوج ما نكون إلى يد تساند وشربة ماء تسدُّ الرمق بعد أن أخذ منا العناء والظمأ والجوع كل مأخذ .. وقد أخبرنا بأنه يأتي لهذا المكان في الأسبوع مرة أو مرتين .. وهو يمارس هواية الصيد باستخدام الأقفاص وهي ما يُسمى عند أهل المنطقة الشرقية بـ (القراقير) وهو عبارة عن شبك مصنوع من السلك الحديدي وله فتحة على شكلٍ حلزوني، حيث يضع الصياد فيه طعاما ليكون طُعما لأسماك ..
ذهب بنا السائق المنقذ إلى مركز خفر حرس الحدود بعد أن مشى بناء مسافة طويلة، وعند وصولنا وجدناهم في حصتهم الصباحيّة في استعراض عسكري، فاستأذن السائق من بوابة المركز وأدخلونا إلى غرفة الإسعاف .. وأحضروا لنا الماء .. فلا تسأل عن مذاقه بعد طول العناء .. وقاموا بتغسيلنا، ثم وضعوا لي وللطفل المغذي، وحضر لنا مسرعًا في أقل من دقائق قائد المركز ومعه بعض الجنود .. وكان رجلًا طيبًا خلوقًا، تفاعل معنا بشكل كبير وقد أخبرناه بالخبر .. وطلبنا منه أن يفعل ما في وسعه لإنقاذ صاحبي، فأصدر أمرًا على الفور لجميع الدوريات البحرية وما حولها من الدوريات الموجودة داخل البحر بالتحرك فورًا للبحث عن صاحبي .. وأمر القائد الدوريات أن تتفرق إلى عدة مجموعات تنطلق في أكثر من موقع نظرًا لعدم قدرتي على تحديد موقعنا السابق، وقد اقترحت أن أشارك في عملية البحث غير أنهم أشاروا علي بالبقاء نظرا لمعاناتي من الإجهاد، و قد رجّح عدم مشاركتي إيثاري البقاء إلى جانب الصغير أنس .. وجلس القائد يسليني ويحاول أن يخفف عني المصاب لما رأى علي من الخوف والقلق على مصير صاحبي أبي أنس، وبعد أن تعرف على اسمه وشخصيته عرفه جيدًا وبدأ عليه القلق مثلي، وقرأت في عينيه الخوف بأن صاحبي لن ينجو عندما علم أنه لا يجيد السباحة، ورأى استحالة صموده كل هذا الوقت، وقد أخبرني القائد على ذمته بأنه قبل أن يستيقظ لصلاة الفجر ليوم الجمعة سمع في المنام مناديًا يقول له: قم .. فهناك بعض الغرقى في البحر أذهب فتول أمرهم .. ويقول: لقد نهضتُ مفزوعًا من هذا الحلم مع أذان الفجر وقلت أن هذا من الشيطان .. !!.
ولقد كان القائد يتابع جهود البحث والتحري مع الفرق المتحركة .. و دبَّ اليأسُ إلى أعضائها وكادوا يجمعون على أن صاحبي لا يوجد له أثر .. وأوصوا باستدعاء فرقة الضفادع البشرية للغوص والبحث عن جثته .. ولكنّي بيّنت للقائد بأن صاحبي كان متعلقًا بجالون وسترة نجاة، فإن جزمنا أنه قد مات فأين هي السترة والجالون الذي كان يمسك بهما؟!! فقال لي مباشرة: صدقت .. هذه علامة مؤكدة .. فتحدث بالجهاز اللاسلكي لجميع الدوريات البحرية بأنه لا عودة إلى المركز إلاّ ومعهم صاحبنا حيًا أو ميتًا أو بإحضار الجالون والسترة التي كان يمسك بهما .. اقترحت على أنس أن نذهب نبحث في البحر فبكى خوفا من هذا الاقتراح وقد عانى من البحر ما عانى .. وذكرني بقول ابن الرومي في وصف البحر:
وأما بلاء البحر عندي فإنه ** طواني على روع مع الروح واقب
فأيسر إشفاقي من الماء أنني ** أمر به في الكوز مر المجانب
وأخشى الردى منه على كل شارب ** فكيف بأمْنيِه على كل راكب
وأثناء ما كنا نتحرى هذه الاتصالات التي تأتي من فرق الدوريات وبعد بحث وجهد من قبل الدوريات البحرية جاءنا البشير عن طريق الجهاز اللاسلكي أن صاحبنا قد تم العثور عليه وهو ممسك بطوق النجاة وبالجالون الذي كان يحمله فكان أحسن وأسعد خبر تلقيته في حياتي فتذكرت على الفور قول الله تعالى: (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ {87} فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ {88} نعم فإنه يوجد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم من سينجيه الله بصورة عجيبة مثل نجاة صاحبي الذي نجا وهو لا يجيد السباحة إطلاقًا، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .. وقد أخبرني بعض من قاموا بإنقاذه أنهم
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)