وهذا الذي قدَّمتُ الحديثَ عنه هو في امتحانات الدنيا التي تدور بين المخلوق ومثله، والعبد وجنسه، ولا ينبغي لمن أراد الخير لنفسه أن يغفل عن الامتحان الذي ليس بعده امتحان، فعنده يُكرم المرء حقيقة أو يُهان، ففريق في النعيم والجنان وفريق في السعير والنيران، وهو امتحان يكون بين المخلوق وخالقِه، فحريٌّ بمن دخله ـ وكلٌّ داخله لا محالة ـ أن يعمل ويجدَّ لينجح ويجتاز هذه العقبة، فليتنا نعدُّ له عُدَّته كما نعدُّ للامتحان الدنيوي عدَّته، بل ولم نبلغ معشار ذلك.
وقد اختبر الله تعالى عباده في هذه الدنيا بعدة اختبارات؛ ليعلم العبد مع أي الفريقين يكون، مع الفائزين أم الخاسرين، ومن تلكم الاختبارات التي يُمتحن بها العباد في الدنيا ما نراه ونسمعه من كثير من المنتسبين إلى الإسلام من ادعاء محبة الله تعالى وأنهم أهل الله وخاصته، فهؤلاء يُنظر في متابعتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، فإن كانوا موافقين له في أعمالهم وأقوالهم فقد نالوا محبة الله لهم، وإن كانوا نقيض ذلك فهو مجرد ادعاء لم يُقيموا عليه بينات؛ وذلك أنَّ الله تعالى قال في كتابه العزيز: ?قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ?، قال ابن كثير رحمه الله: «هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادَّعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية؛ فإنَّه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأحواله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عليه أمْرُنَا فَهُوَ رَدُّ» ولهذا قال: ?قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ? أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم مِن مَحَبَّتِكم إياه، وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض الحكماء العلماء: ليس الشأن أن تُحِبّ، إنَّما الشأن أن تُحَبّ، وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية».
نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يحبه ويحب من يحبه ويحشرنا في زمرة حبيبنا ونبينا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم، ويجعلنا من أتباعه والمهتدين بهديه، والمحبين له، فالمرء مع من أحب، وأن يوفقنا لاجتياز امتحانات الدنيا وامتحانات الآخرة، والله أعلم وصلى الله على نبيه الأكرم وسلَّم.
المصدر ( http://www.rayatalislah.com/kalimah/imtihan.htm)