فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 9082 من 72678

قالت أم زرع: (زوجي أبو زرع فما أبو زرع!) ، هل تعرفون شيئًا عن أبي زرع؟.

وحيث إننا لا نعرف شيئًا عن أبي زرع، فهي تعرفنا من هو أبو زرع.

تقول: (أناس من حلي أذني، وملأ من شحم عضدي) .

هذا كله غزل، (أناس من حلي أذني) : النوس يعني الاضطراب والحركة، ومنه الناس؛ لأنهم يتحركون ذهابًا وإيابًا.

ومنه الحديث الذي في البخاري، قال ابن عمر: (دخلت على حفصة ونوساتها تنطف) ، النوسات: هي الظفائر، تنطف: يعني تقطر ماء، فقد كانت مغتسلة، وإنما سميت الظفيرة بهذا الاسم لأنها تتحرك إذا حركت المرأة رأسها.

(أناس من حلي أذني) : أي: ألبسها ذهبًا في آذانها، وهي تتحرك، فالذهب يتحرك في آذانها بعدما كانت خالية، فهي الآن تحمل ذهبًا في كل أذن.

(وملأ من شحم عضدي) : بدأت المرأة بالذهب لأنه أهلك النساء الأحمران: الذهب والحرير، فالنساء عندهن شغف شديد بالذهب، (وملأ من شحم عضدي) ، تريد أن تقول: إنه كريم يعني أنه أخذها نحيلة والآن امتلأت.

(وبجحني فبجحت إلي نفسي) ، يقول لها: يا سيدة الجميع! يا جميلة! يا جوهرة! حتى صدقت ذلك، من كثرة ما بجحها إلى نفسها، (فبجحت إلى نفسي) : أي: فصدقته، مع أنها قالت: (وجدني في أهل غنيمة بشق) ، يعني: شق جبل، أي أنها كانت تعيش في حارة بشق، وفي بعض الروايات الأخرى (بشق) : يعني كانت تعيش بشق الأنفس، فقيرة فقرًا مدقعًا تقول: (وجدني في أهل غنيمة) ، غنيمة: تصغير غنم، أي أن حالتهم كانت كلها كرب، حتى الغنم صار غنيمة، دلالة على حقارة المال.

قالت: (وجدني في أهل غنيمة بشق) ، فنقلها نقلة عظيمة، (فجعلني في أهل صهيل وأطيط ودائس ومنق) ، هذه نقلة كبيرة من أهل غنيمة بشق، نقلها إلى (أهل صهيل) : أصحاب خيل، (وأطيط) : أصحاب إبل؛ لأن الخف الخاص بالجمل لين، فعندما يكون محملًا حملًا ثقيلًا تسمع كلمة: أط أط أط، خلال مشيه، فهذا يسمى أطيطًا، والإبل كانت من أشرف الأنعام عند العرب، (ودائس) أي: ما يداس، وهذا كناية عن أنهم أناس أهل زرع فلاحون، فإن الزارع بعد حصد الزرع يدوس عليه بأي شيء حتى يخرج منه الحب، فهو كناية عن أنهم أهل زرع.

(ومنق) : المنق: هو المنخل، فالعرب ما كانوا يعرفون المنخل إنما كان يعرفه أهل الترف، تقول عائشة رضي الله عنها: (ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم منخلًا بعينيه) ، فقال عروة: (فكيف كنتم تأكلون يا خالة؟ فقالت: كنا نذريه في الهواء) ، فالتبن يطير في الهواء، والذي يبقى مع الشعير يطحنونه كله ويأكلونه، والنبي عليه الصلاة والسلام كما قالت عائشة: (مات ولم يشبع من خبز الشعير) ، ليس من خبز القمح، فإن القمح هذا لم يأكلوه أبدًا! تقول: وما أكل خبزًا مرققًا).

فكلمة (منق) فيها دلالة على الترف، فعندهم من كل المال، فهم أغنياء، عندهم خيل وإبل وزرع، وعندما يأكلون عندهم منخل؛ لأنهم كانوا لا يفصلون التبن عن الغلة، فيطحنونها دقيقًا يسر الناظرين.

(فعنده أقول فلا أقبح) تقول: مهما قلت فلا أحد يجرؤ أن يقول لي: قبحك الله فقد كان عزها من عز الرجل ومكانتها من مكانته، فلا يستطيع أحد أن يرد عليها بكلمة.

(وأرقد فأتصبح) : تنام حتى وقت الضحى، وهذا يدل على أنه كان معها خدام؛ إذ لو كانت تعمل بنفسها لما كانت تنام بعد صلاة الفجر، وهذا كسائر نسائنا؛ لأنه بعد صلاة الفجر يريد الأولاد أن يذهبوا إلى المدارس، وتريد أن تصنع الطعام لهم، والرجل سيخرج إلى العمل، فتعمل باستمرار، فإذا كانت تنام حتى تشرق الشمس وترسل سياطها إلى الأرض وهي نائمة، فمعنى ذلك أن هناك خدمًا يكفونها المؤنة.

(وأشرب فأتقمح) : وفي رواية البخاري: (فأتقنح) ، بالنون، وهناك فرق بين اللفظين، أما لفظ (فأتقمح) فإنه يقال: بعير قامح، أي إذا ورد الماء وشرب ثم رفع رأسه زهدًا في الشرب بعد أن يروى، فهي بعدما تشرب العصير، تترك نصف الكأس؛ لأنها قد ارتوت، وأما (أتقنح) أي: تشرب وتأكل تغصبًا، فتأكل حتى تشبع، فيقال لها: كلي، فتتغصب الزيادة، وهذا لا يكون إلا إذا كان هناك دلال وحب.

فقولها: فأتقمح أو أتقنح فيه دلالة على أنها تترك الأكل والشرب زهدًا فيه لكثرته، فجمعت بين التبجيح والتعظيم الأدبي وبين الكرم.

وصف أم أبي زرع

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت