ـ [أبو الطيب الروبي] ــــــــ [11 - 06 - 09, 11:05 ص] ـ
الحلقة الثالثة
ثالثا: قواعد العدل والإنصاف:
فإن العدل فضيلة مطلقة؛ لا تقييد في فضله؛ فهو ممدوح في كل زمان وكل مكان، وكل حال، ممدوح من كل أحد، مع كل أحد، بخلاف كثير من الأخلاق؛ فإنه يلحقها الاستثناء والتقييد.
ولهذا اتفقت على فضله الشرائع والفطر والعقول، وما من أمة أو أهل ملة إلا يرون للعدل مقامه.
وبالعدل تحصيل العبودية لله وحده، وبه تُعطى الحقوق وتُرد المظالم، وبه تأتلف القلوب؛ لأن من أسباب الاختلاف الظلم والبغي والعدوان، وبه يُقبل القول، أو يعذر قائله، وبه تحصل الطمأنينة والاستقرار النفسي
وإذا أراد المرء أن يمتحن نفسه في العدل، وأن يمحص دعواه الإنصاف فليتحقق في نفسه أمورًا إن وجدها كان حريًا بوصف العدل، وإن فقدها فهو على خطر:
فمنها: تحصيل العلم الشرعي؛ فتحقيق المسائل التي يُحكم بها على الآخرين ضروري لتحقيق العدل مع الناس، ومن قصّر في تحصيله فليس بمعذور أن يحكم أو يتعامل مع أحد بمعاملة يكرهها.
ومنها: التأني، وأن يجعل للزمن مجالًا قبل الكلام في حق شخص أو مؤسسة.
ومنها: العلم بواقع الحال، من معرفة حال الشخص الذي نتعامل معه، أو نحكم عليه من ناحية علمه وجهله بما فعله، والأسباب والدوافع لذلك الفعل، وأسباب المعذرة، ومعرفة ما لديه من حسنات قد تغمر ما بدا منه من خطأ أو زلل.
فهذا حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه فعل أمرًا عظيمًا بتسريب خبر توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة لغزوها؛ فتأنى النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله عن الفعل أولًا بقوله: يَا حَاطِبُ مَا هَذَا؟، ثم سأله عن السبب؛ بقوله:"ما حملك على هذا"؟ وهذا يدل أن للأسباب والدوافع تأثيرًا في الحكم، ثم أعفاه من العقوبة؛ حين وازن بين سيئاته وحسناته فقال:"وما أدراك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم".
ومنها: اتهام النفس؛ فإنه بداية تلمس أسباب العدل، والوقوف على ما يعين عليه، ومتى كان المرء مزريًا على نفسه متهمًا لها، يتوقع منها الخلل والزلل والهوى كان أبعد الناس عن الوقوع في الظلم والعدوان.
ومن أسباب العدل:-
-أن ينظر إلى أعماله السابقة، وأحكامه السالفة، وكذلك أحوال الظلمة؛ فكثير من الناس يكون جوره وظلمه بسبب توتره واضطراره إلى علاج الحالة في ضيق من الزمان أو المكان، أو ضغط الأحوال والأشخاص الذين يحيطون به؛ فإذا تجرد من هذه المؤثرات فقد يلوح له وجه تعسفه.
-الشجاعة الأدبية مع من يخافهم أو يحبهم أو يرجوهم؛ فهو قوي شجاع عند تكبير محبيه أو شماتة أعاديه؛ فإن جرب من نفسه ضعفًا عندها وخورًا في مواجهة ذلك فهو محل للحيف والظلم؛ فليكن على حذر.
-أن يجعل نفسه مكان من يتعامل معه أو يحكم عليه؛ فإذا كان في مكانه أراد منه في معاملته أو حكمه أن يكون قائمًا بالقسط مستكملًا أسباب العدل؛ فإذا استشعر ذلك كان هو معه كذلك.
ومن قواعد العدل:
1 -أن يحمل كلام المخالف على أحسنه:
1 -الكلام ملك لصاحبه المخالف، وهو أولى الناس بتفسيره، وما دام أنه حمَّال أوجه لم يجز أن نختار منها ما نشاء للحكم عليه؛ لا سيما والمرء في سعة من الحكم عليه؛ فليس التعامل معه بالدرهم والدينار، ولا في مصاهرته، وإنما هو حكم أو وصف لا يحتاج إلى أن يتكلم بهما.
وأما الرد والبيان فلا يمنع منه كون الكلام محتملًا؛ فلو خشي أحد من تأثير كلامه فلينكر ذلك مع الاحتراز له بأن يقول: إن كان المعنى المقصود كذا فهو حق وإلا فهو باطل، ونحو ذلك.
2 -أن لا يفجر في خصومته:
فمهما بلغ المخالف في مخالفته فلا يجوز أن يظلم أو يجار عليه، أو أن يُكذب عليه، أو أن يُزاد في حديثه ما لم يقله.
3 -أن يقارن خطأه بخطأ غيره ممن عذره:
فإن كان خطؤه مثله أو قريبا منه، وكان في ظروف مماثلة، وقد عذرنا غيره؛ فلتسعه المعذرة أيضًا، ولا تكن المعاصرة، أو كون المخالف مقدما عند طائفة حاضرة سببًا للكيل بمكيالين.
4 -أن يعتبر حسناته، ويوازنها بسيئاته:
فمن قواعد التعامل مع المخالفين أن يُنسب الفعل الذي خالف فيه إلى بقية أعماله الأخرى؛ فإن غلب خير الشخص على شره كان الحكم للغالب، وكان الحكم الجملي عليه بذلك.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)